غزة والبحث عن إطار سياسي جامع في مرحلة التحولات الكبرى
نشر بتاريخ: 2026/01/25 (آخر تحديث: 2026/01/26 الساعة: 00:00)

بعد عامين من الحرب المفتوحة على قطاع غزة، لم تعد الأسئلة المطروحة تقتصر على إعادة الإعمار أو وقف إطلاق النار، بل تجاوزت ذلك إلى سؤال الشرعية والتمثيل السياسي، وحالة الانفصال المتزايدة بين الشارع الفلسطيني والفصائل التقليدية التي قادت المشهد لعقود

أفرزت الحرب الأخيرة حالة غير مسبوقة من الإنهاك الوطني والسياسي، فالجماهير الفلسطينية وخصوصًا في قطاع غزة، باتت تنظر إلى الفصائل بعين الشك، ليس فقط بسبب نتائج الحرب الكارثية، بل نتيجة تراكم طويل من الإخفاقات.

فمثلا، مشروع التسوية السياسية وصل إلى طريق مسدود، لافتقاره الى ادوات الضغط ولم يحقق الحد الأدنى من الحقوق الوطنية، فيما مشروع المقاومة المسلحة، رغم تضحياته الجسيمة، افتقد إلى الرافعة السياسية والاستراتيجية القادرة على تحويل الفعل العسكري إلى مكاسب سياسية ملموسة، ما أدى إلى دفع المجتمع الفلسطيني أثمانًا إنسانية واقتصادية باهظة دون أفق واضح.

هذا الفشل المزدوج أسهم في تعميق الفجوة بين القيادة والشارع، وأنتج حالة من اللامبالاة السياسية وفقدان الثقة، حيث لم تعد الجماهير ترى في الفصائل القائمة أدوات خلاص، بل جزءًا من الأزمة.

وفي ظل هذا الفراغ السياسي الداخلي، ومع غياب الرؤية الفلسطينية برز تشكيل مجلس السلام الدولي كفاعل جديد، لا يكتفي بلعب دور الوسيط، بل يتجه عمليًا إلى إعادة هندسة القرار الفلسطيني، وفرض أطر سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز الإرادة الوطنية.

تحول المجلس من منصة دعم لوقف الحرب إلى كيان وصائي، يحدد أولويات المرحلة المقبلة، ويرسم ملامح الإدارة والحكم في غزة، في مشهد يعكس ضعف البنية السياسية الفلسطينية وعجزها عن تقديم بديل وطني موحد، وهو ما يطرح تساؤلات خطيرة حول مستقبل الاستقلال السياسي، وإمكانية تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف إنساني يُدار دوليًا بعيدًا عن جوهرها التحرري.

وامام هذا السياق المأزوم، حان الوقت للتفكير بجدية عن ولادة حزب سياسي جديد لا بوصفه ترفًا سياسيًا، بل كحاجة وطنية ملحّة. حزب يتجاوز ثنائية التسوية والمقاومة التقليدية، ويعيد دمج السياسة بالبعد الوطني الشامل، ويتعاطى مع المتغيرات الاقليمية والدولية.

حزب يفترض أن يضم:

شخصيات وطنية، وقيادات معتدلة من الاسلاميين تؤمن بالشراكة الوطنية والانفتاح على المجتمع الدولي، وشخصيات من اليسار الفلسطيني، ونخبًا مستقلة من الأكاديميين والاقتصاديين والمجتمع المدني.

حزب يقوم على برنامج واقعي، يعترف بالتحولات الإقليمية والدولية، ويتعامل مع موازين القوى ببراغماتية وطنية، دون التفريط بالثوابت، ويعيد الاعتبار للعمل السياسي الجماعي، ويمنح الفلسطينيين أداة تمثيل جديدة قادرة على مخاطبة الداخل والخارج بلغة واحدة.

إن طرح فكرة تشكيل حزب سياسي جديد في غزة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة للانقسام أو القطيعة مع الماضي، بل كجزء من عملية تفكير وطني شاملة تبحث عن سبل تجديد الحياة السياسية الفلسطينية.

فغزة، وهي تواجه واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا، بحاجة إلى مقاربات سياسية مرنة، تعزز الشراكة الوطنية، وتحافظ على القرار الفلسطيني مستقلًا، وتمنح الأمل بإدارة أكثر توازنًا للمرحلة المقبلة، في ظل متغيرات إقليمية ودولية لا يمكن تجاهلها.