حسن الترابي
نشر بتاريخ: 2026/01/28 (آخر تحديث: 2026/01/28 الساعة: 14:06)

مرت عشر سنوات على رحيل حسن الترابي (1932-2016)، واحد من أكثر شخصيات الإسلام السياسي التي حيّرت المراقبين، مفكر وسياسي مثير للجدل، يحب الشِّعر، وموسيقى بيتهوفن، والأفلام الأجنبية، ويجري عميات الصيانة لمنزله بنفسه، نال الماجستير من أكسفورد، والدكتوراه من السوربون.. أثناء دراسته في جامعة الخرطوم انضم للإخوان المسلمين، وصار من زعماء الجماعة في السودان.

بعد الإطاحة بالجنرال إبراهيم عبّود (1969)، انتقل الترابي إلى عالم السياسة، وتولى مناصب رفيعة في الدولة.. وزيراً للعدل في عهد النميري (1981)، وبعد سقوط نظام النميري عام 1985، سلّم سوار الذهب الحكم للمدنيين، فعارض حكومة الصادق المهدي، ثم صار وزيراً للخارجية (1988)، ثم تحالف مع العسكر في انقلاب الإنقاذ عام 1989، وصار أمين عام المؤتمر الشعبي (1991)، ورئيس البرلمان في عهد البشير (1996)، وأمين عام الحزب الحاكم (1998)، ثم منشقاً عن النظام بعد تجريده من مناصبه الرسمية والحزبية (2001).

اعتقل مرات عديدة في عهد النميري، وأُفرج عنه عام 1977 بعد مصالحة بين الإسلاميين والنميري أفضت إلى إعلان تطبيق الشريعة 1983. واعتقل عام 2009 بعد تأييده المحكمة الجنائية الدولية التي اتهمت البشير بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.

أصدر15 كتاباً في العقيدة والفقه وتجديد الفكر الإسلامي. يراه البعض سياسياً محنكاً، أو مفكراً تنويرياً مجدّداً، فيما يراه خصومه براغماتياً مخادعاً، شغوفاً بالسلطة، أما خصومه الفقهاء فاتهموه بالزندقة، ومنهم من كفّره واعتبره مرتداً؛ خاصة بسبب فتاويه التي اعتبرها الفقهاء تخالف ثوابت الدين، ومن أبرزها:

جواز إمامة المرأة في الصلاة حتى لو كان المصلّون رجالاً، وإباحة زواج المسلمة من المسيحي أو اليهودي، وقوله: إن شهادة المرأة تساوي شهادة الرجل تماماً، وإنَّ الحجاب يعني الستار وهو الخمار لتغطية الصدر وجزء من محاسن المرأة، ورفضه فكرة عودة المسيح وظهور المسيح الدجال.

يأخذ الإسلاميون على الترابي أنه سار على نهج المعتزلة بتقديم العقل على النص، وبسبب فتاويه خاصة إزاء المرأة أصبح عبئاً ثقيلاً على الدعوة في السودان، وبالتالي إما أن يتوب أو يُكفّر. وآخرون اعتبروا أنه يسوّق للديمقراطية والحريات الشخصية وهي من أفكار الغرب الكافر!

أما أتباعه فاعتبروه مفكراً مبدعاً متجاوزاً لعصره، تجرأ على النص وانتقد السلفية بجرأته العقلية، وأسهم في تجديد الفكر والفقه الإسلامي. ورأوا في كتبه جمعاً بين فلسفة «هيغل» ومنهج الشاطبي في مقاصد الشريعة.

انطلق الترابي من فلسفة في الدين تتمحور حول مفهوم خاص للتوحيد، ترى أنه ليس مفهوماً كلامياً تجريدياً وإنما هو فكرة حية يغذيها جهد عملي، تركز على وظيفة الإيمان، لا على قالبه الفلسفي. وحين كتب عن الصلاة كان تركيزه على المعاني العملية والتنظيمية للصلاة.. ودعا للتمييز بين «الدين والتديّن»، وبين «الفكرة المثالية والواقع المعاش»، وبين الجانب الأزلي المطلق والجانب التاريخي في الدين والتراث، أي عدم الخلط بين الوحي والتاريخ نظراً لمخاطر هذا الخلط على مستقبل الإسلام، لأنه يحرمه من مواكبة حركة التاريخ. كما نبّه إلى وجود اختلال في التوازن في التراث الإسلامي بين فقه المبدأ وفقه المنهج، وهذه من وجهة نظره سبب تعثر الحركات الإسلامية.

وفي نقده للسلفيين «عارض فكرة أن يكون الدين متمثلاً في تاريخ المتدينين، لأن ذلك يجر التعصب لذلك التاريخ،» وانتقد تقليد السلف في مسلكهم ومظاهرهم؛ فقال: «مهما يكن تاريخ السلف الصالح امتداداً لأصول الشرع، فإنه لا ينبغي أن يُوَقَّر بانفعال يحجب تلك الأصول».

حاول الترابي أن يحرر الإسلاميين من صورة ذلك السلفي المتعصب الذي ينادي بتغيير الكون وهو لا يدرك ما يدور في محيطه القريب، تقوده رغبة عاطفية دون خبرة ولا تخطيط، يشعل الحروب في كل مكان ويخسرها، ويستفز العالم كله ويعاديه، وهو في حالة ضعف ودون استعداد.

وفي نقده للحركات الإسلامية السودانية، استعرض بعض المزالق الأخلاقية التي وقع فيها الإسلاميون، فكتب: «كانت الحركة تعارض كيفما اتفق، مفتونة بحميّة المعارضة، تزاود في الحق وتكابر دون وجه حق».

أما خصومه العلمانيين فانتقدوا موقفه السلبي في أواخر عهد النميري؛ حين أيد إعدام المفكر التنويري محمود محمد طه عام 1985 واعتبره مرتداً، وتأييده تطبيق الشريعة التي اقتصرت على جانب العقوبات، مثل قطع الأيدي والجَلد وغيرها من العقوبات الجسدية التي تحط من كرامة الإنسان وفق المفهوم الحداثي. ورأوا أن تطبيق الشريعة كان للتغطية على استبداد وفساد نظام النميري وفشله، وأن الترابي كان من وعاظ السلاطين.

كما انتقدوا تقلباته وتغيّر مواقفه التي تجاوزت البراغماتية إلى حد الانتهازية، وأنه أخفق في منهجه حين حاول التوفيق بين السياسة ومتطلباتها وأيديولوجية الإسلام السياسي في إدارة الحكم، خاصة في عهد البشير، حيث أتت النتائج كارثية على السودان، وتمخضت عن حكم عسكري دكتاتوري قاهر لشعبه، مقهور أمام الغير.

كانت خطة الترابي إظهار انقلاب البشير بواجهة وطنية، ثم التدرج خلال أعوام حيث تتغلغل جماعة الإخوان في الدولة، إلى أن تكشف عن وجهها الإسلامي سافراً.. لكن التدرج حوّل الحركة الإسلامية إلى أداة قمع في يد سلطة عسكرية مستبدة، لا رؤية لها سوى البقاء في السلطة والتشبّث بالكرسي، فانتحر المشروع الإسلامي على أعتاب الحكم العسكري، وانتهت تلك الفجوة بين الجانب النظري والممارسة العملية في حياة الترابي وفي مشروعه السياسي إلى مشهد حزين وبائس.

الترابي، وربما راشد الغنوشي، من أبرز رجالات الإسلام السياسي.. حاولا الجمع بين الأصولية الدينية وبين الأفكار الحداثية مثل نظام الحكم والديمقراطية والحريات، وأخفقا في ذلك، ولم يجدا من الإسلاميين سوى النقد والعداء والتكفير، ومن السلطة الحاكمة السجن.

لكن ما يُحسب لهما، ولعديد من المفكرين «التنويريين» المعاصرين، أمثال محمد شحرور، وجمال البنا، وحسن حنفي، ومحمد أركون، وغيرهم ممن سعوا لتجديد الخطاب الديني، وتقديم قراءات عقلانية للنصوص المقدسة لتتوافق مع معطيات العصر، وركزوا على العقلانية ومقاصد الشريعة.. أنهم اجتهدوا، وفكروا بشجاعة خارج صندوق السلفية.