خالد عزّ الدين... حين تتحوّل الزنزانة إلى منبر ويغدو الأسيرُ حارسًا للرواية الوطنية
نشر بتاريخ: 2026/07/24 (آخر تحديث: 2026/07/24 الساعة: 18:40)

ليست قضية الأسرى الفلسطينيين فصلًا عابرًا في تاريخ القضية الفلسطينية، ولا هي ملفٌّ حقوقيٌّ يُفتح حينًا ويُغلق حينًا آخر، بل هي قلبُ المأساة الوطنية النابض، وضميرُ فلسطين الحيّ الذي ما زال يذكّر العالم بأن الحرية لا تُمنح، وإنما تُنتزع بالصبر والصمود والتضحية. فخلف جدران السجون، حيث يُراد للإنسان أن يُجرَّد من اسمه وذاكرته وحلمه، يولد شكلٌ آخر من البطولة، بطولةٌ لا تُقاس بعدد المعارك، وإنما بقدرة الإنسان على أن يبقى إنسانًا وهو يواجه العتمة.

لقد شكّل الأسرى الفلسطينيون، على امتداد عقود الصراع، مدرسةً وطنيةً وأخلاقيةً وفكريةً، خرج منها شعراء ومفكرون وباحثون وقادة، حملوا قيودهم كما يحمل المؤمن رسالته، وآمنوا بأن السجن قد يقيد الجسد، لكنه يعجز عن تقييد الفكرة، وأن الزنازين، مهما اشتد ظلامها، لا تستطيع أن تطفئ نور الحرية المتقد في النفوس.

وتبقى معاناة الأسرى، ولا سيما المرضى منهم، من أكثر الصفحات إيلامًا في التاريخ الفلسطيني المعاصر. فالحرمان من الرعاية الطبية، وتأخر العلاج، والعيش في ظروف احتجاز قاسية، وما يرافق ذلك من معاناة نفسية وجسدية، كلها قضايا أثارت اهتمامًا واسعًا لدى المؤسسات الحقوقية الدولية، التي دعت مرارًا إلى احترام الحقوق الأساسية للمحتجزين وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.

غير أن القضية الفلسطينية لم تُحفظ بالبندقية وحدها، بل حفظتها كذلك الكلمة الحرة، والرواية الصادقة، والذاكرة التي أبت أن تستسلم للنسيان. ومن هنا يبرز اسم الأسير الفلسطيني المحرر خالد عز الدين، بوصفه واحدًا من الأصوات التي أدركت أن الاحتلال لا يسعى إلى احتجاز الإنسان فحسب، بل يسعى كذلك إلى احتجاز الرواية، وتشويه الذاكرة، وإفراغ التضحيات من معناها.

خرج خالد عز الدين من السجن، لكنه لم يخرج من القضية. حمل معه سنوات الأسر لا باعتبارها جرحًا شخصيًا، وإنما بوصفها مسؤولية وطنية وأخلاقية، فحوّل تجربته إلى مشروع ثقافي وإعلامي يهدف إلى إبقاء قضية الأسرى حيّة في الوعي العربي والدولي. لقد فهم أن معركة العصر لم تعد تقتصر على ميادين المواجهة، وإنما امتدت إلى ساحات الإعلام والثقافة والرأي العام، حيث تتصارع السرديات بقدر ما تتصارع الجيوش.

ومن هذا الإدراك العميق، اختار الجزائر، أرض المليون ونصف المليون شهيد، منطلقًا لمشروعه، إيمانًا منه بأن ذاكرة الثورة الجزائرية لا تزال قادرة على احتضان الذاكرة الفلسطينية، وأن الشعب الذي انتزع استقلاله بعد تضحيات جسام، لن يتردد في الدفاع عن شعب ما زال يناضل من أجل حريته.

لقد كانت الجزائر بالنسبة إليه أكثر من فضاء جغرافي؛ كانت فضاءً أخلاقيًا وثقافيًا، يستند إلى تاريخ طويل من الانحياز لقضايا التحرر. ومن هنا جاءت مبادراته الإعلامية التي سعت إلى تحويل قضية الأسرى من خبر سياسي عابر إلى قضية إنسانية عالمية، تلامس ضمير الإنسان أينما كان.

ومن أبرز هذه المبادرات المشاركة في إطلاق مجلة "ميسرة... يرث العالم شهيدًا"، التي جاءت تخليدًا لذكرى الأسير الشهيد ميسرة أبو حمدية، بالتعاون مع نادي الأسير الفلسطيني، وبمبادرة كريمة من الإعلامي الجزائري الراحل عز الدين بوكردوس، مدير جريدة الشعب آنذاك. ولم تكن المجلة مجرد إصدار تأبيني، بل تحولت إلى وثيقة ثقافية ووطنية، شارك فيها أكاديميون ومثقفون وكتّاب، لتكشف للعالم أن الأسير الفلسطيني ليس رقمًا في سجل الاعتقال، وإنما إنسان يحمل فكرًا ورسالةً وحلمًا، حتى وهو خلف القضبان.

ولم يتوقف خالد عز الدين عند حدود النشر الورقي، بل وسّع حضوره عبر الصحافة الجزائرية، فكانت صفحات عدد من الصحف منبرًا لمقالات الأسرى، ودراسات الباحثين، وشهادات ذوي المعتقلين، إيمانًا منه بأن الكلمة الحرة قادرة على كسر الحصار المفروض على الحقيقة.

وحين حالت الظروف السياسية دون تنفيذ بعض المبادرات الصحفية، لم يستسلم، بل لجأ إلى الوسائط الرقمية، فأنتج مواد توثيقية وأفلامًا قصيرة بالتعاون مع ناشطين وإعلاميين، واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا: أن يبقى صوت الأسير حاضرًا، وأن تبقى الزنزانة شاهدة على الحقيقة، لا مقبرةً لها.

لقد أدرك خالد عز الدين أن الاحتلال يحاول مصادرة الذاكرة قبل الأرض، ولذلك جعل من الرواية الوطنية ساحةً للمقاومة. فكان يستحضر قصص الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن منذ عشرات السنين، والأسيرات اللواتي يواجهن الاعتقال بإرادة لا تلين، والأطفال الذين حُرموا دفء آبائهم، والمرضى الذين يتطلعون إلى العلاج كما يتطلع العطشان إلى قطرة ماء. ولم يكن هدفه استدرار العاطفة، بل ترسيخ القناعة بأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن قضية الأسرى هي قضية عدالة وحرية قبل أن تكون قضية وطنية.

ولعل من أهم ما ميّز مشروعه ربطه المستمر بين التجربتين الفلسطينية والجزائرية، باعتبارهما تجربتين في مقاومة الاستعمار، وفي الإيمان بأن الشعوب لا تموت ما دامت متمسكة بحقها في الحرية. فكما انتصرت الجزائر بإرادة أبنائها ووحدة صفهم، فإن فلسطين، في رؤيته، ستبقى قادرة على الصمود ما بقيت ذاكرتها حيّة، وما بقي أبناؤها أوفياء لتضحيات الشهداء والأسرى.

وفي زمن تتزاحم فيه الأخبار، وتتبدل فيه الأولويات، تبقى الحاجة ملحة إلى من يصون الرواية الفلسطينية من النسيان، ويعيد إلى الإنسان الفلسطيني اسمه ووجهه وصوته. وهذا ما سعى إليه خالد عز الدين، الذي لم يجعل من تجربته الشخصية حكايةً فردية، بل حوّلها إلى رسالة ثقافية ووطنية تتجاوز حدود المكان والزمان.

إن الأسرى الفلسطينيين ليسوا مجرد ضحايا للصراع، بل هم أحد أعمدة الهوية الوطنية الفلسطينية، وعنوانٌ لصمود شعبٍ آمن بأن الحرية تستحق أن يُدفع في سبيلها أغلى الأثمان. وسيظل الأسرى، مهما طال ليل السجون، مشاعل مضيئة في الذاكرة العربية، وستظل أسماؤهم تُكتب بحروف من نور، لأنهم حملوا الوطن في قلوبهم يوم ضاقت بهم الزنازين، وحفظوا كرامة الإنسان يوم حاول السجّان أن يصادرها.

وإذا كانت الأمم تُخلّد قادتها وجنودها، فإن فلسطين تُخلّد كذلك أسراها؛ لأنهم حرسوا الحلم الوطني من داخل الزنازين، وصانوا الرواية من التزييف، وأثبتوا أن الحرية تبدأ من الإيمان بها، وأن الكلمة الصادقة قد تكون، في كثير من الأحيان، أشد أثرًا من الرصاصة، وأبقى حضورًا من السلاح.

سلامٌ على الأسرى في ليلهم الطويل، وسلامٌ على كل من جعل من الكلمة عهدًا، ومن الذاكرة مقاومة، ومن الوطن رسالةً لا تنتهي، حتى تشرق شمس الحرية على فلسطين، ويعود الإنسان إلى أرضه مرفوع الرأس، حرًّا كريمًا، كما أراد له التاريخ وكما تقتضي العدالة.