بين نقد السلطة ونقد الذات: قراءة في تصريحات سلام فياض
نشر بتاريخ: 2026/07/25 (آخر تحديث: 2026/07/25 الساعة: 17:16)

أثارت تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق الدكتور سلام فياض، التي اعتبر فيها أن السلطة الفلسطينية بتركيبتها السياسية والهيكلية الحالية أصبحت غير قابلة للإصلاح، نقاشاً واسعاً في الأوساط الفلسطينية، خاصة أن الرجل لم يكن مراقباً من الخارج، بل كان جزءاً من المشهد السياسي الفلسطيني وشغل موقع رئيس الوزراء في مرحلة مهمة من تاريخ السلطة.

وهنا يبرز سؤال سياسي مشروع: لو كان سلام فياض اليوم في موقع القيادة وصناعة القرار داخل السلطة الفلسطينية، هل كان سيقدم الرؤية ذاتها التي يطرحها الآن عبر المنابر الدولية والصحف الأمريكية؟ أم أن موقع المسؤولية يفرض حسابات مختلفة عن مساحة النقد المتاحة بعد مغادرة المنصب؟

لا شك أن تشخيص الأزمات أمر ضروري، لكن الأهم من التشخيص هو امتلاك القدرة على العلاج. فالقول إن السلطة غير قابلة للإصلاح هو حكم قاسٍ على مؤسسة وطنية ما زالت تمثل أحد الأطر السياسية والإدارية للشعب الفلسطيني، رغم كل الملاحظات والانتقادات. فالتاريخ السياسي يؤكد أن المؤسسات لا تنتهي بسبب أخطائها فقط، بل عندما تفقد الإرادة الوطنية القادرة على تصحيح المسار.

إن أسهل شيء في الحياة السياسية هو الحديث عن الإصلاح، أما الإصلاح الحقيقي فيحتاج إلى إرادة وشجاعة وروح عمل قائمة على الكفاءة والانتماء، كما يحتاج إلى تطبيق مبدأ الثواب والعقاب، لأن المؤسسة التي يغيب عنها الحساب تفتح الباب أمام الفوضى، وكما يقال: "من أمن العقاب أساء الأدب".

لذلك فإن المشكلة ليست دائماً في وجود السلطة كمؤسسة، بل في طريقة إدارتها، وفي مستوى الرقابة عليها، وفي قدرتها على تجديد نفسها وإبعاد كل ما يعيق تطورها.

ومن الإنصاف أيضاً ألا نجلد السلطة الفلسطينية باعتبارها شخصية اعتبارية واحدة، ونحمّلها كل الأخطاء التي ارتكبها بعض المسؤولين أو بعض مراحل الإدارة. فالسلطة تضم آلاف الموظفين والكفاءات الذين عملوا في ظروف استثنائية ومعقدة، وواصلوا تقديم الخدمات للشعب الفلسطيني رغم الاحتلال والحصار والأزمات المتلاحقة.

أما سلام فياض نفسه، فمن حق الفلسطينيين أن يطرحوا أسئلة مشروعة: إذا كانت السلطة غير قابلة للإصلاح اليوم، فهل كانت كذلك عندما كان رئيساً للحكومة؟ وهل كان بعيداً عن واقعها ومشكلاتها؟ لا أحد ينكر أن فياض ارتبط بمحاولات إصلاح مالي وإداري، لكن أي مسؤول يبقى جزءاً من التجربة السياسية التي شارك فيها، ويُقيّم بما أنجزه وما أخفق فيه.

ولا يمكن الجزم بأن حالة الجمود في مشروع الإصلاح سببها شخص واحد فقط، فربما هناك أخطاء في القرار، وربما هناك أيضاً تأثيرات من بعض الدوائر المحيطة بمركز القيادة، ممن قد يساهمون في تعطيل الأفكار الجديدة أو إبقاء الواقع على حاله. فالمشكلة في أي نظام سياسي لا تكون دائماً في رأس الهرم فقط، بل أحياناً في البيئة المحيطة التي تؤثر في القرار.

ومع ذلك، تبقى المسؤولية الأولى والأخيرة على عاتق رأس السلطة، فالرئيس هو المسؤول عن مسار المؤسسة الوطنية، وعن معالجة حالة التجاعيد التي أصابت بعض مفاصلها، وعن مواجهة ظاهرة استمرار بعض الشخصيات تحت شعار الخبرة والتجربة.

فالخبرة ليست بعدد السنوات التي قضاها الإنسان في موقع المسؤولية، بل بقدرته على صناعة الحلول وفتح أبواب المستقبل. ومع تقدم السنين لبعض القيادات العتيقة، فإن احترام التاريخ والعطاء لا يعني تجميد الزمن أو إغلاق الباب أمام الأجيال الجديدة. فلو أصبح النهر بلا روافد، وطال عليه الركود، لجفت مياهه، وكذلك المؤسسات التي لا تتجدد تفقد قدرتها على العطاء.

إن السلطة لا يمكن أن تستمر بالاعتماد على العكاكيز السياسية التي تُستخدم بحجة الخبرة، بينما المطلوب بناء مؤسسة تقف على قوة القانون والكفاءة والدماء الجديدة. فالخبرة قيمة عظيمة عندما تنتج وتطور، لكنها تصبح عبئاً عندما تتحول إلى وسيلة لمنع التغيير.

إن المطلوب اليوم ليس هدم السلطة أو إلغاءها، بل تجديدها وتكريمها كما نكرّم النخلة بالعناية والتقليم حتى تبقى شامخة ومعطاءة. فالمؤسسات الوطنية تحتاج إلى إزالة الأغصان اليابسة، لا اقتلاع الجذور.

الإصلاح يحتاج إلى فلاتر وطنية تنقي جسم السلطة من الشوائب، ويحتاج إلى جراح يحمل مشرطاً وطنياً يعالج مواضع الخلل دون أن يهدم الجسد كله. كما يحتاج إلى إرادة سياسية تعيد الثقة بين المواطن والمؤسسة، وتفتح الطريق أمام كفاءات قادرة على حمل المسؤولية.

وفي هذا المعنى يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي

ولكن تُؤخذُ الدنيا غِلابا

فالإصلاح لا يولد من الأمنيات ولا من الخطابات، بل من قرار شجاع يضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الشخصية والحسابات الضيقة.

وفي النهاية، فإن السلطة الفلسطينية ليست ملكاً لأحد، وليست مجرد هيكل إداري، بل هي جزء من المشروع الوطني الفلسطيني. وهي تكون بخير عندما تبتعد عنها شياطين العدو والصديق؛ أولئك الذين يسعون إلى إضعافها من الخارج أو استثمار أخطائها من الداخل. والمطلوب اليوم ليس إسقاط المؤسسة، بل إنقاذها وتجديدها لتبقى قادرة على خدمة شعبها وحماية مشروعه الوطني.