سبسطية… ذاكرة المكان الفلسطيني التي دخلت سجل التراث العالمي
نشر بتاريخ: 2026/07/25 (آخر تحديث: 2026/07/25 الساعة: 19:51)

ليست سبسطية مجرد موقع أثري يختزن بقايا حجارة صامتة، بل هي ذاكرة مكان نابضة، وسجل حضاري مفتوح يروي قصة الإنسان على هذه الأرض عبر آلاف السنين. واليوم، مع نجاح دولة فلسطين في تسجيل موقع سبسطية على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، يدخل هذا الموقع مرحلة جديدة من الحماية الدولية، ويؤكد حضوره بوصفه جزءاً أصيلاً من التراث الإنساني العالمي.

جاء هذا القرار خلال أعمال الدورة الثامنة والأربعين للجنة التراث العالمي المنعقدة في مدينة بوسان بجمهورية كوريا، بعد اعتماد ملف الترشيح الفلسطيني الذي أبرز القيمة العالمية الاستثنائية للموقع، وما يحمله من شواهد مادية تعكس تراكما حضارياً متواصلاً امتد لأكثر من خمسة آلاف عام.

فسبسطية ليست طبقة تاريخية واحدة، ولا اختزالاً لمرحلة بعينها؛ إنها فضاء حضاري تتداخل فيه طبقات الزمن، وتكشف آثارها عن تعاقب حضارات وثقافات متعددة تركت بصماتها على المكان، من المراحل القديمة، مروراً بالعصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية، وصولاً إلى الفترات الإسلامية والصليبية والعثمانية. وهذا التنوع هو الذي منح الموقع قيمته العالمية الاستثنائية، بوصفه شاهداً على استمرارية الحياة الحضرية والثقافية في فلسطين عبر العصور.

إن أهمية هذا التسجيل تتجاوز الاعتراف بقيمة موقع أثري، لتصل إلى "تثبيت حقيقة" أساسية مفادها أن التراث ليس مجرد ماضٍ محفوظ في المتاحف، بل هو عنصر حي من عناصر الهوية والذاكرة والانتماء. فالمواقع الثقافية تحمل في بنيتها المادية قصص المجتمعات التي شيدتها وعاشت حولها، وهي تشكل جزءاً من الذاكرة الإنسانية المشتركة.

وقد جاء إدراج سبسطية على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر في سياق إدراك المجتمع الدولي للتهديدات التي تواجه الموقع، وما يحيط به من مخاطر تمس سلامته التاريخية والأثرية، بما في ذلك الإجراءات التي تؤثر على طابعه الحضاري، والقيود التي تعيق أعمال الحماية والإدارة والصون. ويمنح هذا القرار الموقع "مظلة دولية" إضافية للحفاظ عليه، ويضع مسؤولية مشتركة على عاتق المؤسسات الدولية في ضمان حمايته وفق اتفاقية التراث العالمي.

كما يعكس هذا الإنجاز ثمرة جهود وطنية ودبلوماسية متواصلة، شاركت فيها المؤسسات الفلسطينية المختصة، وفي مقدمتها وزارة السياحة والآثار، ووزارة الخارجية والمغتربين، ووفد دولة فلسطين الدائم لدى اليونسكو، وبلدية سبسطية، ومركز حفظ التراث الثقافي، واللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم، إلى جانب علماء الآثار والخبراء والباحثين والشركاء الدوليين الذين أسهموا في إعداد الملف والدفاع عن قيمته وفق المعايير العلمية الدولية.

إن معركة حماية التراث الفلسطيني هي في جوهرها معركة حماية للذاكرة الإنسانية؛ فالمواقع الأثرية لا تنتمي فقط إلى الجغرافيا التي تحتضنها، بل إلى الإنسانية جمعاء. ومن هنا تكتسب سبسطية مكانتها الجديدة، ليس فقط كموقع فلسطيني ذي قيمة تاريخية استثنائية، بل كجزء من قصة الحضارة الإنسانية التي تستحق أن تُصان للأجيال القادمة.

إن دخول سبسطية إلى سجل التراث العالمي هو انتصار للعلم، وللتراث، وللقوة الحضارية للمكان الفلسطيني؛ رسالة تؤكد أن الذاكرة التي تحفظها الحجارة أقوى من محاولات الطمس، وأن فلسطين بما تحمله من إرث ثقافي عميق ستبقى حاضرة في سجل الحضارة الإنسانية.

مبروك سبسطية… ومبروك فلسطين.