التهجير المجاني... حين تخدم أخطاؤنا ما عجز عنه الاحتلال الغاصب.
نشر بتاريخ: 2026/07/29 (آخر تحديث: 2026/07/30 الساعة: 01:31)

لم تعد هجرة الكفاءات والكوادر الفلسطينية من تنظيماتها ومؤسساتها مجرد ظاهرة عابرة يمكن تفسيرها بأسباب فردية أو ظروف شخصية، بل أصبحت مؤشرًا مقلقًا على أزمة أعمق تمس بنية العمل الوطني والمجتمعي برمته. فالتنظيمات التي نشأت لتكون حاضنة للطاقات ومنبرًا للنضال والتغيير، تحولت في بعض الأحيان إلى بيئات طاردة للكفاءات، الأمر الذي انعكس على الواقع الفلسطيني بأكمله.

لا شك أن لكل حالة أسبابها الخاصة، لكن ثمة عوامل مشتركة تتكرر في معظم التجارب. فعندما يشعر العضو بأن خبرته وعلمه وقدرته على الإبداع لا تجد طريقها إلى التطبيق، وأن صوته لا يُسمع إلا ضمن حدود ضيقة، تبدأ مشاعر الإحباط بالتسلل إليه. وعندما تتقدم العلاقات الشخصية والولاءات على حساب الكفاءة والإنجاز، يصبح التهميش واقعًا يوميًا يدفع أصحاب القدرات إلى الانكفاء أو الرحيل.

كما أن الصراعات الداخلية والتنافس على المواقع والنفوذ تستنزف الطاقات وتبدد الجهود، في الوقت الذي يفترض أن تُوجَّه فيه هذه الطاقات نحو خدمة القضية الوطنية. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تغيب العدالة والشفافية في توزيع المسؤوليات واتخاذ القرارات، أو عندما تتجمد المؤسسات عند أنماط عمل قديمة لا تسمح بالتجديد وتداول الأدوار وإفساح المجال أمام الأجيال الجديدة.

غير أن المشكلة لم تعد تقتصر على هجرة الكوادر من تنظيماتها، بل تجاوزتها إلى هجرة الشباب والكفاءات من الوطن نفسه. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. ففلسطين التي دفعت أثمانًا باهظة للحفاظ على وجودها الوطني، تجد نفسها اليوم أمام نزيف مستمر للعقول والخبرات والطاقات البشرية.

في العقود الماضية، سعت الحكومات الإسرائيلية إلى تشجيع الفلسطينيين على مغادرة أرضهم، ووضعت برامج وسياسات هدفت إلى إضعاف الوجود الفلسطيني وتقليص قدرته على الصمود. وقد أُنفقت الأموال والجهود لتحقيق هذا الهدف، لكن إرادة الفلسطيني وتمسكه بأرضه كانا أقوى من تلك المحاولات.

أما اليوم، فإن المشهد يثير كثيرًا من الأسئلة المؤلمة. فحين يعجز الشاب الفلسطيني عن العثور على فرصة عمل تليق بمؤهلاته، وحين يشعر أن مستقبله مرهون بالواسطة أو الانتماء الضيق لا بالكفاءة والاجتهاد، وحين يرى أن أبواب المشاركة والتأثير موصدة أمامه، فإن الهجرة تتحول في نظره إلى مشروع حياة، لا إلى خيار اضطراري مؤقت.

إن أخطر ما في الأمر أن بعض السياسات والممارسات الداخلية أصبحت، من حيث النتيجة لا القصد، تقدم للاحتلال خدمة مجانية. فما عجزت عنه أدوات الضغط والإغراء الخارجية، قد تساهم في تحقيقه بيئات داخلية طاردة للكفاءات، ومؤسسات فقدت قدرتها على استيعاب طاقات الشباب وتطلعاتهم.

ولعل المشكلة الأكبر تكمن في ترهل بعض البنى التنظيمية والمؤسساتية التي استهلكها الزمن دون أن تنجح في تجديد نفسها. فهناك أجيال كاملة من الشباب تحمل العلم والخبرة والطموح، لكنها تجد نفسها خارج دوائر التأثير وصنع القرار. وعندما يشعر الشباب أن أحلامهم تُستهلك قبل أن تولد، فإن الوطن يخسر أهم موارده: الإنسان.

لكن الحديث عن الأزمة لا يكفي. فالمطلوب اليوم ليس البكاء على ظاهرة الهجرة أو الاكتفاء بتوصيفها، بل الشروع في معالجتها من جذورها. يبدأ ذلك بإعادة الاعتبار للكفاءة معيارًا للتقدم والمسؤولية، وتعزيز الشفافية والعدالة داخل المؤسسات والتنظيمات، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة الحقيقية في صناعة القرار. كما يتطلب الأمر تبني برامج وطنية جادة لتمكين الكفاءات وتوفير بيئة تحفز الإبداع والمبادرة، بدل دفع أصحاب العقول إلى البحث عن مستقبلهم خارج حدود الوطن.

لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة إدارة الأزمات إلى ثقافة صناعة الحلول. فالشعوب لا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالإنسان القادر على العطاء عندما يجد من يثق به ويمنحه الفرصة. ومن هنا فإن مسؤولية وقف نزيف الهجرة تقع على عاتق الجميع؛ سلطةً وفصائل ومؤسسات ونخبًا مجتمعية، لأن الحفاظ على الكفاءات الوطنية ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لمستقبل فلسطين.

إن الدق على جدران الخزان اليوم لم يعد مجرد صرخة احتجاج، بل نداء إنقاذ. فالوطن الذي يفقد شبابه وكفاءاته يفقد جزءًا من قدرته على الصمود والبناء والتحرر. أما الوطن الذي يفتح أبوابه لأبنائه ويمنحهم مكانتهم المستحقة، فإنه يحول طاقاتهم إلى قوة قادرة على صناعة المستقبل وحماية الحلم الفلسطيني من التآكل والضياع.