خدعة التدويل
نشر بتاريخ: 2026/08/18 (آخر تحديث: 2026/08/18 الساعة: 18:50)

إن قوة إسرائيل العسكرية تجبر أعداءها على الإبداع، وطبعاً، هذا أمر طبيعي، فمن يلاقي صعوبة في مواجهة الطائرات المقاتلة والدبابات والمقاتلين، سيجد نفسه دائماً يعمل في ساحات موازية ويستخدم أدوات ناعمة لإضعاف خصمه. ومن بين هذه الترسانة التي تتجاوز الجيش الإسرائيلي، نجد حملات التأثير في الوعي، أو الدعاوى القضائية لوصمنا بأننا دولة فصل عنصري؛ وهناك أداة أُخرى، سياسية ومراوِغة نسبياً، اسمها التدويل. في هذه الأيام، يجري استخدام هذه الأداة في غزة، لكنها ربما تظهر في لبنان من دون أن ننتبه.

ببساطة، التدويل هو إشراك جهات دولية في آليات صُنع القرار والتشغيل والرقابة بشأن نزاع معين، والمنطق الذي يستند إليه هو أن وجود مزيد من الأطراف يعني مزيداً من المعرفة والموارد، وهو ما يزيد في احتمال التوصل إلى تفاهمات وتهدئة. ولا شك في أن هذا التعريف "نظيف" جداً، لأن لكل طرف في المعادلة مصلحته الخاصة؛ هذا منطقي، لكن المهم هو فهم دوافع أعدائنا إلى "تدويل" المواجهات معنا: عندما لا توجد وسيلة فعلية لمواجهة الجيش الإسرائيلي، يصبح التدويل قناة إضافية لعرقلته، وإتاحة الفرصة للعدو لإعادة بناء نفسه تحت مظلة خطوات متعددة الجنسيات تفرض وقفاً للقتال، وفي الوقت نفسه، الحصول على نقاط إشادة بسبب التعاون.

في المقابل، تريد الدول المشارِكة التوصل إلى حلول سريعة، لأن سمعتها على المحك؛ أمّا تفكيك البنى التحتية لـ"الإرهاب" بصورة منهجية، وعمليات نزع التطرف البطيئة، والمواجهة المرهقة مع بؤر المسلحين على الأرض، أمور كلها تتطلب وقتاً، وطويلاً جداً أحياناً، وفي بعض الأحيان، هذا ما يريده، تحديداً، الطرف الآخر.

ربما تكون النتيجة شلّ إسرائيل، مع بقاء العدو، أو احتفاظه بأهميته، تحت حماية آليات دولية؛ على سبيل المثال، "مجلس السلام" الذي يواجه صعوبة في تفكيك "حماس"، لكن الحقيقة هي أن إسرائيل تسلك أيضاً مع لبنان، وبهدوء نسبي، الطريق السريعة نحو تدويل النزاع.

لقد بدأ الحوار المباشر مع لبنان بتصريحات تاريخية عن التطلع إلى السلام، لكنه لم يعُد يحتل العناوين تقريباً، ومع ذلك، تشير تقارير عديدة إلى إنشاء لجنة تحقُّق دولية تتأكد من نزع سلاح حزب الله في المناطق التجريبية، باعتبار ذلك شرطاً لانسحاب الجيش الإسرائيلي، وسارع مسؤولون لبنانيون إلى إعلان وجود توافُق على قائمة من الدول، ستختار الولايات المتحدة من بينها أعضاء اللجنة؛ كذلك جرى تحديد المناطق التجريبية بشكل فعلي. إذا تحقق هذا الأمر، فسيكون شبيهاً بقوة اليونيفيل، التي تمثل نموذجاً كلاسيكياً لآلية دولية فاشلة، وليس من قبيل المصادفة أنه بعد 50 عاماً، ما زال اللحن نفسه، والطعم نفسه.

هذا لا يعني أن المشاركة الدولية أمر سيئ بالضرورة؛ فإسرائيل لا تملك القدرة على تخليص لبنان من حزب الله بمفردها، ومن هذا المنطلق، فإن الأمر يتعلق بتحرُّك متعدد الدول، مطلوب وضروري؛ لكن المسألة هي أن التصميم غير الدقيق له ربما يحوّل عملية ذات نوايا إيجابية إلى سلاح سياسي لإبطاء إسرائيل. إن تعدد الأطراف، ومن بينها جهات إشكالية، وعدم التشدد من جانبنا لحماية المصالح الإسرائيلية - مثل الانسحاب في مقابل نزع السلاح، وليس العكس - هو الوصفة المثالية لعمليات غير فعالة في أفضل الأحوال، وعمليات ضارة في أسوأ الأحوال.

صحيح أن حزب الله يعارض التفاهمات مع إسرائيل، لكن هذا ليس سوى نصف القصة، لأن التدويل الوشيك هو أيضاً أداة تخدمه.

لذلك، هذا هو الوقت بالضبط للتأكد من أننا لا نعيد، بأيدينا، إنشاء آلية متعددة الجنسيات تتيح له البقاء؛ يجب أن تنطلق كل ترتيبات هذه الآلية وكل جهة مشارِكة فيها، وكل شرط تتضمنه، من الافتراض أن حزب الله يعتبرها سلاحاً لتأخير الجيش الإسرائيلي، وللتسلل إلى داخل الآلية والسيطرة عليها.

لذلك، يجب على إسرائيل، عبر فريق التفاوض الذي أثبت نفسه فعلاً، أن توضح لشركائها أن التدويل وسيلة، وليس غاية، ومرحّب به ما دام لا يأتي على حساب إنجازاتنا، في مقابل تصفيق العالم.