تقرير: علي أبو عرمانة - تشهد العاصمة المصرية القاهرة حراكًا سياسيًا فلسطينيًا متسارعًا، يقوده تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، عبر سلسلة من اللقاءات والمشاورات مع مختلف الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية، في مسعى لبلورة موقف فلسطيني مشترك تجاه استحقاقات المرحلة المقبلة، وربط مسار وقف الحرب في قطاع غزة بجهود إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وإنهاء الانقسام.
ويأتي هذا الحراك في لحظة سياسية وميدانية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها ملفات تثبيت وقف إطلاق النار، والانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وإغاثة قطاع غزة، مع سؤال اليوم التالي للحرب ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

القاهرة.. حراك يتجاوز اللقاءات البروتوكولية
وبرز في هذا السياق لقاء جمع القائد محمد دحلان بوفد قيادي من حركة حماس برئاسة خليل الحية، تناول آخر مستجدات المفاوضات، وسبل تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، وضمان تنفيذ بنوده، إلى جانب الملف الإنساني واحتياجات سكان القطاع، وضرورة إنهاء حالة التفرد بالقرار الوطني.
ولم يتوقف الحراك عند اللقاءات الثنائية، إذ توسعت المشاورات لتشمل اجتماعًا وطنيًا تشاوريًا دعا إليه دحلان، بمشاركة حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، والجبهتين الشعبية والديمقراطية، والملتقى الوطني الديمقراطي، ولجان المقاومة الشعبية، إلى جانب تيار الإصلاح الديمقراطي.
ويمنح هذا التمثيل الواسع للاجتماع دلالة سياسية تتجاوز مجرد التشاور بين الفصائل، باعتباره جمع قوى ذات حضور سياسي وميداني مؤثر حول طاولة واحدة لبحث ملفات تمس مستقبل غزة والقضية الفلسطينية برمتها.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي د. محمد شتيوي، في تصريحات خاصة لـ"الكوفية"، أن الاجتماع يمثل خطوة على طريق استعادة "اللحمة الوطنية"، بعد سنوات من حالة الشرذمة والانقسام التي أعقبت أحداث عام 2007، معتبرًا أن الحرب وما خلفته من دمار فرضت على القوى الفلسطينية النظر إلى المشهد من منظور وطني يتجاوز الحسابات الحزبية.
ويشير شتيوي إلى أن حالة الانقسام أضعفت الموقف الفلسطيني سياسيًا وتفاوضيًا، وأتاحت لإسرائيل تقديم صورة للمجتمع الدولي مفادها أنه لا توجد جهة فلسطينية موحدة يمكن التوصل معها إلى اتفاقات أو تفاهمات بشأن المرحلة المقبلة.
دحلان.. دور في جمع القوى الفلسطينية
وفي قراءة لدور القائد محمد دحلان في الحراك الجاري، يرى شتيوي أن دحلان لعب دورًا في جمع الفصائل والقوى الفلسطينية، مستفيدًا من شبكة علاقاته الوطنية والإقليمية والدولية.
ويصف المحلل السياسي هذا الدور بأنه أشبه بـ"ناظم المسبحة"، في إشارة إلى محاولة جمع مكونات سياسية فلسطينية متباينة حول قضايا وطنية مشتركة، مؤكدًا أن الاجتماع الأخير يمثل خطوة إيجابية باتجاه إعادة وصل الجسد الفلسطيني الذي أصابته حالة الانقسام على مدى سنوات.
وبحسب شتيوي، فإن أهمية الاجتماع لا ترتبط فقط بعدد الفصائل المشاركة، وإنما بكونه أظهر إمكانية جلوس قوى سياسية مختلفة حول طاولة واحدة، والتوافق على ملفات تتصل بالمصلحة الوطنية الفلسطينية.
وقف إطلاق النار.. من التهدئة إلى المرحلة الثانية
وفي موازاة ملف المصالحة وترتيب البيت الفلسطيني، حضرت تطورات اتفاق وقف إطلاق النار بقوة في المشاورات، خصوصًا في ظل الخروقات الإسرائيلية والعقبات التي تواجه الانتقال إلى المرحلة الثانية.
وقال الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد حسني، في تصريحات خاصة لـ"الكوفية"، إن الاجتماع يأتي استكمالًا لسلسلة اللقاءات التي دعا إليها تيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة محمد دحلان، بهدف التشاور حول الهم الفلسطيني، وتحديدًا ما يتعلق بقطاع غزة.
وأوضح حسني أن اللقاء ناقش الخروقات الإسرائيلية للاتفاق، وضرورة تحرك الوسطاء والضامنين لإلزام إسرائيل بتنفيذ بنوده بصورة كاملة وحقيقية، بما يسمح بالانتقال إلى المرحلة الثانية.
وأكدت القوى المشاركة أهمية إدانة الخروقات والتصعيد الإسرائيلي، ومطالبة الوسطاء والضامنين بالضغط من أجل الالتزام بالاتفاق ومنع تعطيل مساره.
من إدارة تداعيات الحرب إلى رسم مستقبل غزة
ويكشف الجمع بين ملف وقف إطلاق النار والملف السياسي الداخلي عن طبيعة أوسع للحراك الذي تشهده القاهرة؛ فالنقاش لم يعد محصورًا في كيفية وقف الحرب، وإنما يمتد إلى ما بعدها، ومن سيتولى إدارة المرحلة المقبلة، وكيف يمكن إعادة بناء المؤسسات السياسية الفلسطينية على قاعدة الشراكة.
ويؤكد حسني أن اجتماع هذا العدد من الفصائل والقوى الفاعلة يمكن أن ينتج حالة وطنية تعبر عن رؤية أكثر شمولًا للوضع الفلسطيني، خصوصًا أن المشاركين يلتقون حول مجموعة من القضايا السياسية والوطنية والميدانية.
وتبرز هنا قضية الانتخابات التشريعية باعتبارها أحد الملفات المطروحة على طاولة النقاش، بوصفها مدخلًا لتجديد الشرعيات الدستورية، واستعادة ثقة المواطن الفلسطيني، وإعادة الاعتبار للمؤسسات السياسية الوطنية.

الشراكة الوطنية.. عنوان المرحلة المقبلة
ولا تبدو الدعوة إلى ترتيب البيت الفلسطيني منفصلة عن مسار إنهاء الحرب؛ فكلما اقتربت المفاوضات من بحث ترتيبات المرحلة التالية، برزت الحاجة إلى موقف فلسطيني أكثر تماسكًا، قادر على التعامل مع الاستحقاقات السياسية والأمنية والإنسانية التي ستفرضها مرحلة ما بعد الحرب.
ومن هنا، يكتسب الحراك الذي يقوده تيار الإصلاح الديمقراطي أهمية خاصة، باعتباره محاولة لجمع القوى الفلسطينية المختلفة حول طاولة واحدة، وفتح مسار للحوار بشأن القضايا التي عجز الانقسام عن حسمها على مدار سنوات.
وبين تثبيت وقف إطلاق النار، والانتقال إلى المرحلة الثانية، وإغاثة غزة، وإجراء الانتخابات، وإعادة بناء المؤسسات، تبدو القاهرة أمام مسار فلسطيني يتجاوز إدارة الأزمة الراهنة إلى محاولة رسم ملامح المرحلة المقبلة.
فالمعادلة الجديدة التي تفرض نفسها هي أن إنهاء الحرب يحتاج إلى وحدة الموقف، وأن إعادة إعمار غزة وترتيب مستقبلها تحتاج إلى شراكة فلسطينية أوسع، وأن تجديد الشرعيات يتطلب العودة إلى الشعب عبر الانتخابات.
وفي هذا السياق، يضع الحراك الذي يقوده تيار الإصلاح الديمقراطي نفسه أمام اختبار سياسي كبير: تحويل اللقاءات والمشاورات إلى مسار وطني مستدام، قادر على ترجمة التوافقات إلى خطوات عملية تعيد ترتيب البيت الفلسطيني، وتستعيد وحدة القرار، وتفتح الطريق أمام مرحلة سياسية جديدة بعد الحرب.