من لا يرى أن الرئيس ترامب قد غرّز ووحّل - ونستطيع أن نقول إنه غرِّزَ في الوحل - كما نستطيع أن نقول إنه قد اختطف الدولة وقوّض المؤسسة - من لا يرى ذلك بدرجة عالية من الوضوح، فهو أعمى بعيون ترامبية حتى لو أنه استُدعي على عجل ليعمل - بدوام جزئي - محللاً عسكرياً أو سياسياً أو استراتيجياً، حسب رغبة الملقن في غرف الإشراف على الأخبار، وفي استوديوهات التحليل في قناة «الجزيرة» أو غيرها من قنوات حجب الرؤية من الغربال.
يشهد القاصي والداني ويشاهد بأم عينه مهما كان مغرضاً النزيف القيادي في الولايات المتحدة، على كل المستويات العسكرية والأمنية والإدارية، ويرى ويراقب أن إدارة الرئيس ترامب ستأخذ «الجائزة» الأولى دون أي منافسة، وربما بالتزكية مباشرة من جوائز غينيس للأرقام القياسية في حجم الاستقالات والإقالات، وفي أعداد الإبدال والاستبدال، وفي حجم المغضوب عليهم والتقلص المستمر في حجم المرضي عنهم حتى الآن.
لنعد قليلاً إلى الوراء بنية الإيجاز الشديد.
الذي تحقق من وعود الرئيس ترامب هو صفر، ويشبه إلى حد بعيد النتيجة التي وصلت إليها «مدرسة الأخلاق الحميدة» في مسرحية مدرسة المشاغبين: لم ينجح أحد.
بدأ الرئيس بالانقلابات الدراماتيكية في مجالات حساسة اجتماعياً مثل الصحة والتعليم والعمل محدثاً انهيارات مدويّة، فقد أراد بهدف الانتقام من برنامج أوباما أن يبدأ بالرعاية الصحية بحيث بدأت الفواتير الطبية تشكل أكثر من ثلث دخل عشرات الملايين من الشعب الأميركي، ويرزح المجتمع الأميركي حالياً تحت نير العوز والفقر الذي تحول إلى حالة مستدامة خصوصاً مع السياسات الضريبية المنحازة لطواغيت الرأسمال والشركات الكبرى، وحيث تستحوذ هذه الطبقة على أكثر من تسعين بالمئة من الدخل القومي بالرغم من أنها لا تكاد تبلغ نسبة الواحد بالمئة من عدد السكان.
أما تخبيصات الرئيس ترامب في مجال التعليم، وفي مجال التعليم العالي فهي فضائح مشينة على مستوى تسييس الدعم الحكومي للجامعات بما فيها أعرق الجامعات المرموقة على مستوى العالم كله مثل هارفارد وكولومبيا وغيرها وغيرها، وذلك نزولاً عند رغبة حكومة التطرف العنصري الإسرائيلية، وإلغاء آلاف الوظائف في مؤسسات الإشراف الحكومي، ليس بسبب وجود ظاهرة من البطالة المقنعة، وإنما بسبب برامجه الخاصة لتدمير أسس التعليم المدرسي وتحويله نحو إعادة بناء فوضوية كمقدمة للإطباق «العنصري» عليه.
وخلافاً لكل وعوده بتحفيز الطاقة الإنتاجية، وإعادة استقدام كبريات الشركات الأميركية لتشارك في التصحيح الاقتصادي الذي صدّع به رؤوس الأميركيين والعالم انفلت عقال الرأسمال المالي وطارت الوعود الإنتاجية، وانحصرت الآن في مجال تقنية الذكاء الصناعي وبعض الصناعات العسكرية باهظة الكلفة والثمن، ناهيكم عن انكشاف عقم السياسات الاقتصادية حول عظمة «أميركا» التي تمخضت عن السياسات الجمركية على معظم دول العالم، بمن فيهم أقرب الحلفاء وحالة الفشل التي لم يسبق لها مثيل من خلال ارتجالية اعتمادها، والتخبط بتنفيذها، والشكل المعيب والمهين التي انتهت بالتخلي عنها.
وألحق الرئيس ترامب كل هذا بسياسات خارجية أطاحت وحرقت الأخضر واليابس بالعلاقة مع أوروبا وكندا والمكسيك، وطالت حلف الناتو ومطامعه في جزيرة غرينلاند وتخبطه بالعلاقة مع روسيا، وتذلله للصين في عزّ الحديث والخطاب الاستعلائي الكاذب حولها.
اعتقد الرئيس ترامب أنه قد حقق اختراقين تاريخيين في كل من فنزويلا وسورية، وهو على حق هنا من حيث المبدأ، وهما على درجة كبيرة من الأهمية حتى الآن إلا أنهما في حالة اهتزاز لا تخلو من مخاطر التبديد والضياع، وربما الارتداد، وكل ذلك بغياب المؤسسة وغياب الدولة. فقضية النفط الفنزويلي في المدى المنظور هي كذبة كبيرة لأن هذا النفط يحتاج لمئات المليارات لتحويله إلى نفط مربح بسبب كونه في حالة أقرب إلى اللزوجة الثقيلة، ويحتاج كل برميل نفط إلى ضعف كميته من النفط الخفيف أو شبه الخفيف لكي يصبح ويتحول إلى حالة السيولة الطبيعية المعتادة.
والشركات الأميركية تتردد في ضخ مئات المليارات في وضع سياسي قلق، وليس له أي مؤشرات للاستقرار السياسي، وهناك مؤشرات متزايدة على أن البلاد تغلي على صفيح ساخن، وكاتب هذه السطور يتوقع انتفاضة شعبية كاسحة في البلاد في غضون عدة شهور، والوضع في سورية ليس أفضل حالاً لأن الدور الذي راهن عليه ترامب بدأ بالتراجع بعد الخلافات التركية الإسرائيلية حول هذا الدور بالذات، وبعد أن دبّ الرعب في القيادة الأميركية كلها من خروج تركي وشق عصا الطاعة في وجه الولايات المتحدة بسبب التطلعات الخاصة لحكومة نتنياهو على هذا الصعيد في ظل مخاوف هذه الإدارة نفسها من «مجننات» نتنياهو لخلط أوراق الإقليم كله في محاولة للدفاع عن وجوده، وعن مستقبله السياسي، ووجود ومستقبل ائتلافه، ولهذا أخفقت السياسات في كل المجالات، وتترنح الاختراقات وتتأرجح كل المراهنات في لحظة سياسية تبدو أنها قد حدّدت مسارها ووجهتها نحو تأكيد الفشل.
لكن الإخفاق والفشل، وغياب المؤسسة واختطافها، وتقويض دور الدولة ومكانتها، بل التلاعب والعبث بمستقبلها لا يبدو واضحاً وفاضحاً كما يبدو عليه هذا الإخفاق حين يتعلق الأمر بالشرق الأوسط.
ولأننا كتبنا على مدار شهور طويلة حول هذه المسألة تحديداً دعونا نوجز ونكثّف إلى آخر حد ممكن.
انتقل الرئيس ترامب من داعية سلام يأمل بإنهاء الحروب والحصول على جائزة نوبل للسلام إلى مُشعلٍ ومُؤجّجٍ لها في كل الإقليم، سائر أحياناً ومُسيّرٍ لها ومُسيَّرٍ نحوها في غيابٍ تام لأي استراتيجية حقيقية سوى اعتقاده ورؤيته البعيدة والمستبعِدة للمؤسسات كلها وللدولة فيما تبقّى منها بعد أن قضى على الكثير من مظاهر الدولة العميقة فيها.
وانتقل من داعية السلام إلى الراعي الأول للإبادة الجماعية وشارك بصورة مباشرة وتبجّح بصورة علنية واستعراضية بقتل مئات من القيادات الفلسطينية واللبنانية واليمنية والعراقية وتوّج هذا المسار عندما خرج مزهواً بقتل عشرات من القيادات الإيرانية، علماً أن غالبية قيادات الجيش وأذرع الأمن لم تكن مع هذا النهج - بدليل «شرشور» الاستقالات والإقالات - كما مدّ نتنياهو بكل أنواع القنابل الخارقة من أجل إحداث أكبر قوة من التدمير والقتل والإبادة.
وخاض حتى الآن ثلاث حروب عسكرية كبيرة، وعشرات المعارك بين هذه الحروب، وخسر أكثر من نصف تريليون لفتح مضيقٍ كان مفتوحاً قبل الحرب، وكان ممراً تحوّل إلى سلاح فتاك في يد إيران، وانتهت هذه الحروب وهذه المعارك إلى مهزلة، وإلى أكبر مهانة لهيبة الدولة الأميركية، وأصبحت الطموحات الأميركية في أعلى سقوفها الآن هي جلب إيران للتفاوض لمجرد موافقتها على فتح المضيق، وأعلن حرباً اقتصادية بعد فشله العسكري صليبية المحتوى والدلالة - إما معنا أو ضدنا - وكانت النتيجة صفعة مُدوِيّة من مؤتمر شنغهاي الذي تبنّى المواقف الإيرانية بالكامل، وصفعة من مؤتمر وزراء المالية للدول العشرين الذي لم يأتِ بكلمة واحدة على الحرب الترامبية المزعومة على إيران، والتي يقول عنها وزير خزانة ترامب إنها خانقة، بعد أن تحوّل فجأة إلى محلل عسكري واستراتيجي من طراز المحللين في «الجزيرة»، وفي بعض القنوات من شقيقاتها الكبريات والصغيرات، وكان الله في عون الشعب الأميركي على تفاقم الداء وعِظم البلاء.