بن غفير والهجرة الناعمة والخشنة.. مشروع واحد لاقتلاع الفلسطينيين
نشر بتاريخ: 2026/09/03 (آخر تحديث: 2026/09/04 الساعة: 02:11)

كم مشروعًا عنصريًا طرح إيتمار بن غفير بحق الشعب الفلسطيني؟ سؤال لم يعد مجرد استفهام، بعدما تحولت أفكار اليمين الإسرائيلي المتطرف إلى سياسات ومشاريع تستهدف الفلسطيني في أرضه، وفي سجنه، وفي مستقبله.

بن غفير لا يتوقف عند حدٍّ واحد من التطرف؛ فهو يعمل على تضييق الخناق على الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، ويدفع باتجاه تشديد ظروف اعتقالهم، وطرح قانون إعدام الأسرى، إلى جانب الحديث عن سجون وظروف احتجاز بالغة القسوة، وصولًا إلى أفكار مجنونة تقوم على قتل المقاتل والتعامل مع عائلته بعقلية العقاب الجماعي.

من السجن إلى الميدان، ومن الميدان إلى غزة، ثم إلى الهجرة، تبدو الصورة أكثر وضوحًا: ضغط على الفلسطيني داخل السجون، قتل ودمار فوق الأرض، ثم دفعه إلى مغادرة وطنه.

وفي هذا السياق، يأتي ما كشفته صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن خطة تحمل اسم «فك الارتباط 710»، تستهدف تهجير أكثر من 80% من سكان قطاع غزة، تحت مسمى «الهجرة الطوعية»، وبتمويل قد يصل إلى 15.6 مليار دولار.

الخطة لا تتحدث عن الرحيل بصورة مجردة، بل تتضمن حوافز مالية، ووثائق وتأشيرات، وسكنًا، وتدريبًا، ومساعدات للمهجّرين، مع محاولة إيجاد دول تستقبل أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية:

الهجرة الناعمة والخشنة.. مشروع واحد لاقتلاع الفلسطينيين.

لن تفرق الهجرة الناعمة عن الخشنة عندما تكون الحرب هي البيئة التي يُدفع فيها الفلسطيني إلى الرحيل. فأي «طوعية» يمكن الحديث عنها وسط القصف والدمار والنزوح والحصار وفقدان البيت ومقومات الحياة؟

عندما يُدفع الإنسان إلى الاختيار بين البقاء وسط الركام أو الرحيل، فإن تغيير اسم الجريمة من «تهجير» إلى «هجرة طوعية» لا يغير حقيقتها. فالاقتلاع قد يكون بالقوة والسلاح، وقد يكون بالضغط والحصار والدمار والإغراء المالي؛ لكن النتيجة واحدة: إبعاد الفلسطيني عن أرضه.

وقد تصل تكلفة المشروع، وفق ما نُشر، إلى 15.6 مليار دولار. وهنا يصبح السؤال: هل يمكن أن تتحول الأموال إلى وسيلة لشراء الوطن؟ وهل يمكن أن يصبح الفلسطيني مجرد رقم في ميزانية مشروع سياسي هدفه تفريغ الأرض من سكانها؟

المسؤولية هنا لا تقع على الفلسطينيين وحدهم، بل على العالم العربي والغربي أيضًا.

المطلوب وقفة أخلاقية وسياسية واضحة: لا يجوز أن تتحول أي دولة إلى بوابة لتنفيذ مشروع تهجير الفلسطينيين من غزة. وأي دولة تقبل استقبال الفلسطينيين ضمن خطة هدفها تفريغ القطاع من سكانه، قد تجد نفسها شريكة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تنفيذ مشروع التهجير وتكريس نتائجه.

فالاستقبال الإنساني للفلسطيني شيء، وتحويل دولة ما إلى محطة لتنفيذ مشروع اقتلاع شعب من أرضه شيء آخر تمامًا.

وعلى العالم العربي أن يخرج من دائرة بيانات الإدانة إلى موقف عملي يحمي حق الفلسطيني في البقاء على أرضه. وعلى العالم الغربي أن يدرك أن الصمت أمام مشاريع التهجير أو التعامل معها كخيار سياسي قابل للنقاش يفتح الباب أمام سابقة خطيرة.

لكن علينا أن نكون صريحين مع أنفسنا أيضًا.

انقسامنا الفلسطيني يمنح بن غفير وعصابته جرأة أكبر.

فبينما يجري التخطيط لمستقبل غزة، تنشغل فصائلنا أحيانًا بالحسابات الداخلية والصراع على النفوذ والمواقع، وكأنها تقف بجانب جبل أُحد تتنازع الغنائم، بينما المعركة الحقيقية تدور على الأرض الفلسطينية ومستقبل شعب بأكمله.

غزة ليست غنيمة سياسية، وفلسطين ليست مشروعًا لتوزيع الحصص.

كلما انشغل الفلسطينيون بخلافاتهم، وجد بن غفير وأمثاله مساحة أكبر لرفع سقف مشاريعهم العنصرية. وكلما غابت الوحدة الفلسطينية، أصبح تمرير الأفكار التي كانت تبدو مستحيلة أكثر سهولة.

المطلوب اليوم أن تتوقف المناكفات، وأن يرتفع صوت فلسطيني واحد في مواجهة مشاريع الاقتلاع، وأن يتحول الرفض الفلسطيني إلى موقف عربي ودولي واضح.

لا للتهجير، لا لتفريغ غزة، ولا لتحويل جريمة الاقتلاع إلى «هجرة طوعية».

فلسطين ليست للبيع، وغزة ليست للإفراغ، والفلسطيني ليس رقمًا في مشروع «فك الارتباط 710».

قد يملك بن غفير المال والسلاح والمنابر، لكنه لا يملك الحق في تقرير مصير شعب متجذر في أرضه.

وفي النهاية، لن يسأل التاريخ فقط: ماذا فعلت إسرائيل؟

بل سيسأل أيضًا: ماذا فعل العالم عندما طُرح مشروع لاقتلاع شعب من أرضه؟ ومن وقف معه، ومن صمت، ومن فتح الأبواب أمام اقتلاعه؟