هل تستطيع السياسة الفلسطينية ان تستمر بعقلية الخصومة الدائمة ام ان مصلحة الشعب تفرض احيانا التقاء المختلفين..
نشر بتاريخ: 2026/09/07 (آخر تحديث: 2026/09/07 الساعة: 16:16)

هناك اسئلة لا يجوز ان نجيب عنها بعقلية الموقف المسبق. وهناك لحظات سياسية لا يصح ان نقيسها فقط بما كان بيننا بالامس. فالسياسة ليست خصومات مفتوحا الى الابد.

والسياسة التي لا تعرف متى تختلف ومتى تلتقي ومتى تبحث عن مساحة مشتركة تتحول مع الوقت من وسيلة لخدمة الناس الى سبب جديد من اسباب التراجع و الانقسام.

ومن هنا فان الحديث عن التقارب المحتمل بين التيار الاصلاحي الديمقراطي وحماس في المرحلة الانتخابية القادمة لا يجب ان ينظر اليه باعتباره نهاية للخلافات او تنازلا عن المواقف. كما لا يجوز التعامل معه باعتباره انقلابا على قناعات سابقة. فالتحالف الانتخابي ان حدث لا يعني بالضرورة ان اطرافه اصبحت متطابقة في الفكر والرؤية والمشروع. بل يعني ان هناك مساحة من المصالح المشتركة يمكن ان تجمع اطرافا مختلفة حول استحقاق سياسي محدد. مرتبط بالمصلحه العامه للشعب ولكافه الاطراف..

وهنا يجب ان نكون اكثر صراحة.

نحن امام شعب انهكته الحرب و سنوات الانقسام والصراع السياسي. وامام واقع فلسطيني لم يعد يحتمل المزيد من الصبر . وامام انتخابات يفترض ان تكون وسيلة لاعادة بناء الحياة الاجتماعيه والاقتصاديه والخدماتيه و السياسية وليس مناسبة لاعادة انتاج الخصومة القديمة باسم جديد.

قد يختلف التيار مع حماس او غيرها في كثير من القضايا. وقد تختلف حماس مع التيار في قضايا اخرى. وهذا امر طبيعي في السياسة. بل ان الاعتراف بهذا الاختلاف اكثر احتراما لعقول الناس من محاولة تصوير الجميع وكأنهم متفقون على كل شيء.

لكن السؤال الحقيقي ليس هل نتفق في كل شيء.

السؤال هو هل نستطيع ان نختلف في قضايا كثيرة ونتفق في قضايا اخرى عندما تكون مصلحة الناس تقتضي ذلك.

هذه هي السياسة التي تعرف كيف تدير الاختلاف بدلا من ان تجعل الاختلاف قدرا محتوما و دائما.

والذين ينتقدون فكرة التقارب لهم حق كامل في طرح مخاوفهم. فمن الطبيعي ان يسأل المواطن ماذا يعني هذا التقارب. وما هي حدوده. وما الذي يمكن ان يترتب عليه. وهل سيحافظ كل طرف على هويته السياسية واستقلال قراره. وهل سيكون التعاون محصورا في اطار انتخابي وسياسي واضح ام سيتحول الى تنازل متبادل عن قناعات اساسية.وان مجرد الخصومه السابقه اكبر من امكانيه التقارب مهما كان ثمن استمراريه الخلافات.

هذه اسئلة مشروعة.

لكن غير المشروع هو ان نحول مجرد الجلوس الى طاولة واحدة الى تهمة. وان نعتبر كل حوار تنازلا. وكل تفاهم هزيمة. وكل تقارب خيانة.

لو كانت السياسة تسير بهذه الطريقة لما تمكن خصمان في العالم من التفاوض. ولما جلست قوى متعارضة يوما على طاولة واحدة. ولما قامت تحالفات بين قوى تختلف في الفكر والايديولوجيا لكنها تلتقي على مصلحة او برنامج او مرحلة سياسية محددة.

التحالف السياسي لا يعني ان المختلفين اصبحوا نسخة واحدة.

والتفاهم لا يعني ان احدا ابتلع الاخر.

والجلوس مع الخصم لا يعني انك تراجعت عن كل ما كنت تؤمن به.

بل قد يعني في بعض اللحظات انك اصبحت اكثر قدرة على ادارة خلافك معه.وان الواقع الجديد وما وصل اليه شعبنا وقضيتنا من خطر محدق على الوجود قد يفرض مستجدات غير متوقعه..

وهنا تكمن اهمية اي تقارب فلسطيني محتمل.

اذا كان هذا التقارب قادرا على توسيع المشاركة السياسية. وفتح المجال امام تفاهمات وطنية اوسع. وتقليل حالة الاستقطاب. ومنع اقصاء شريحة من المجتمع. واعطاء الناخب خيارات اكثر اتساعا. ودفع القوى الفلسطينية الى التنافس على البرامج بدل التنافس على الخصومات. فان من حق الناس ان تنظر اليه كاحتمال سياسي يستحق النقاش لا كجريمة سياسية تستحق الادانة.

وفي المقابل فان اي تحالف لا ينبغي ان يكون شيكا على بياض.

المصلحة الوطنية لا تعني ان يتخلى التيار عن هويته. ولا تعني ان يتخلى اي طرف عن مبادئه. ولا تعني ان يصبح الاتفاق الانتخابي مقدمة لالغاء التعددية السياسية.

القيمة الحقيقية لاي تحالف تكمن في قدرته على الجمع بين الشراكة والاستقلال. وبين التفاهم والوضوح. وبين المرونة السياسية والثبات على المبادئ. وبين ما سيقدمه لابناء شعبه قضيته..

وهذا بالضبط ما يجب ان يحاكم عليه اي تقارب.

هل سيخدم المواطن.

هل سيخفف الانقسام.

هل سيفتح الطريق امام مستقبل افضل حياة كريمه للناس . سياسية اكثر تعددية.

هل سيمنح الناس فرصة حقيقية لاختيار من يمثلهم.

هل سيعيد الاعتبار لفكرة ان الاختلاف السياسي يمكن ان يكون وسيلة للتنافس الديمقراطي وليس سببا للاقتتال السياسي.

هذه هي الاسئلة التي تستحق ان تطرح.

اما العودة في كل مرة الى قاموس التخوين والتشكيك واستدعاء كل خلاف تاريخي عند ظهور اي مساحة للتفاهم فهي ليست سياسة. انها اعادة تدوير للانقسام.وطبيعه الظرف الان اكبر من ذلك..

والاهم من ذلك ان الشعب الفلسطيني اليوم بحاجة الى قوى سياسية تستطيع ان تفكر خارج الصندوق. فالمراحل الاستثنائية تحتاج احيانا الى افكار مختلفة. وليس من الحكمة ان نطلب من السياسة ان تبقى اسيرة قواعد وضعت في ظروف مختلفة بينما الواقع من حولنا تغير بصورة جذرية.

وقد يكون من حق من يؤيد هذا التقارب ان يراه فرصة لفتح صفحة جديدة في العلاقة بين القوى الفلسطينية. وقد يكون من حق من يعارضه ان يطلب ضمانات واضحة. لكن ليس من حق احد ان يصادر النقاش قبل ان يبدأ.

فالحوار ليس ضعفا.

والمرونة ليست تراجعا.

والاختلاف لا يعني القطيعة الى الابد.

والقوة السياسية الحقيقية ليست في القدرة على رفض الاخر دائما. بل في القدرة على التعامل معه عندما تفرض المصلحة العامة ذلك دون ان يفقد الانسان بوصلته او يتنازل عن مبادئه.

وفي النهاية فان قيمة اي تحالف لن يحددها اسماء المشاركين فيه ولا حجم الضجيج الذي يرافقه. بل ما سيتركه على الارض في حياة الناس وفي مستقبل القضية وفي شكل النظام السياسي الفلسطيني.

ربما يكون هذا التقارب مجرد تفاهم انتخابي عابر.

وربما يكون بداية لمسار سياسي اوسع.

وربما يفشل قبل ان يصل الى نهايته.

كل ذلك ممكن.

لكن الشيء الذي يجب الا نفشل فيه مرة اخرى هو قدرتنا على التفكير بعقل فلسطيني واسع يرى الخلاف ولا يقدسه. ويرى الخصومة ولا يجعلها ابدية. ويعرف ان مصلحة الشعب اكبر من ان تختصر في موقف حزبي واحد.

فلسطين الان تحتاج الى سياسة تعرف كيف تفتح الابواب.

وعندما تلتقي قوى مختلفة على مصلحة عامة واضحة دون ان يتخلى اي طرف عن هويته ومبادئه فان الاختلاف لا يكون قد انتهى.