عندما تتراجع الحوكمة الرسمية (قطاع غزة نموذجا)
نشر بتاريخ: 2026/09/08 (آخر تحديث: 2026/09/09 الساعة: 00:07)

بسبب الهجمات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة، بما في ذلك المؤسسات الحكومية المدارة من قبل سلطة الأمر الواقع، أي سلطة حماس، ونتيجة لاستمرار حالة الانقسام وغياب مؤسسة حكومية موحدة، تراجع أداء المؤسسة الحكومية الرسمية.

تعرضت مقرات هذه المؤسسات للقصف، كما استهدف الموظفين والعاملين بها، بما يشمل العاملين بالمجال الإنساني (الصحة، التعليم، الشؤون الاجتماعية، الدفاع المدني، البلديات ...إلخ).

اعتادت منظمات المجتمع المدني أن تبني عمليات الضغط والتأثير على المؤسسات الحكومية بهدف تعديل سياسات قائمة أو تبني سياسات جديدة تعبر عن مصالح الفئات الاجتماعية المتضررة أو تدفع باتجاه اعتماد قيم ومفاهيم مثل السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي، بما يشمل مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين ونبذ العنف واعتماد الديمقراطية وصيانة الحريات العامة.

ولما كانت المؤسسة الحكومية تتعرض للهجوم والاستنزاف المستمر والإضعاف في بيئة هشة ومضطربة، فلابد من البحث عن البدائل ذات النفوذ والتأثير والقادرة على إنفاذ السياسات المطلوبة، بالرغم من أنها ليست مكونًا من مكونات المؤسسة الحكومية الرسمية.

بالمجتمع الفلسطيني بقطاع غزة نمت وتطورت العديد من مؤسسات المجتمع المدني التي تعبر عن قطاعات اجتماعية مختلفة، والتي أصبحت مؤسسات شبه تمثيلية وذات ثقل مهني ومعنوي واجتماعي مميز.

تنوعت تشكيلات هذه الهيئات، منها ما يعبر عن منظمات العمل الأهلي، ومنها ما يعبر عن فئات مهنية محددة مثل نقابات (المحامين، والأطباء...إلخ)، ومنها ما يعبر عن القطاع الخاص.

قام مركز د. حيدر عبد الشافي للثقافة والتنمية في غزة بتشكيل شبكة نسيج الشبابية للسلم الأهلي والتماسك الاجتماعي، والمكونة من خمسين شابًا وشابة، بعد أن تم تدريبهم معرفيًا وفق ثقافة السلم الأهلي والديمقراطية والمواطنة ونبذ العنف، وعبر توطين قرارات الأمن والسلام والمشاركة للمرأة وفق القرار 1325 وللشباب وفق القرار 2250.

قامت الشبكة بالبحث عن بدائل لمؤسسات الحوكمة الرسمية بهدف الضغط والتأثير على المؤسسات البديلة بهدف حثها على تبني سياسات لها علاقة بالسلم الأهلي.

حيث تم عقد اجتماع مع الغرفة التجارية كأحد أبرز مكونات مؤسسات القطاع الخاص، بهدف الضغط عليها لتبني سياسات لضبط الأسعار ومنع استخدام الحرب كوسيلة للثراء من قبل التجار، كما تم عقد اجتماع مع شبكة المنظمات الأهلية بوصفها الجسم التنسيقي الأكبر لمنظمات العمل الأهلي، بهدف حثها على تعزيز التضامن والتعاون بين المؤسسات الأهلية العاملة بالقطاعات الإنسانية، وكذلك العمل على تدشين منصة إلكترونية توحد الجهود لتحقيق آلية من التوزيع العادل للمساعدات دون إجحاف بحق البعض من الفئات المهمشة والمتضررة، كما تم التأثير على نقابة المحامين بهدف الدفع باتجاه بناء منظومة قانونية تشكل مرجعية لضبط حالة الاحتقان والاضطراب الاجتماعي بسبب انتشار مظاهر العنف وأخذ القانون باليد.

ستقوم شبكة نسيج، وسيرًا على نهجها السابق، بالبحث عن مؤسسات ذات تأثير خارج إطار المنظومة الحكومية لحثها على تبني سياسات وإجراءات وتدخلات ترمي إلى صيانة السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي.

إن مثال شبكة نسيج هو عبارة عن نموذج للعديد من النماذج المشابهة المبنية على مبادرات مجتمعية متعددة.

تكتسب هذه التجربة والتجارب المثيلة الأخرى أهمية خاصة في ظل واقع غير يقيني، فمن غير الواضح أن كانت لجنة التكنوقراط الفلسطينية المشكلة بفعل خطة ترامب، والتي تعززت بقرار مجلس الأمن 2803، ستتولى مقاليد الحكم في قطاع غزة، أم أن الاحتلال سيقوم باستكمال احتلاله للجزء المتبقي من القطاع والمحدد بـ30% من مساحته، والذي يحشر به حوالي 2 مليون إنسان، مليون منهم محشورون في خيام ممزقة، حيث يسيطر الاحتلال الآن على مساحة تقدر بـ70% من مساحة القطاع، وبالتالي يفرض الحكم العسكري عليه، أو أن الوضع الراهن سيستمر من خلال سلطة حماس بوصفها سلطة الأمر الواقع، والتي تراجعت قدراتها كثيرًا، أو أن الانتخابات للمجلس التشريعي المقرر عقدها بنهاية شهر نوفمبر من هذا العام ستعمل على استعادة إدارة السلطة الفلسطينية للقطاع.

ومن الهام في هذا السياق التفكير ببلورة آليات لسد الفجوة الناتجة عن تراجع أداء مؤسسات الحوكمة الرسمية.

من المناسب العمل على تشكيل إطار تنسيقي واسع يضم ممثلين عن العمل الأهلي والنقابات والقطاع الخاص والبلديات، ليشكل جسمًا مبدئيًا مكونًا من الهيئات المهنية ذات التأثير المعنوي والمهني المميز.

يساهم هذا الإطار في معالجة أزمة تراجع حالة الحوكمة حتى لا تترك الأمور الحياتية للمواطنين دون جهات إدارية فاعلة تستطيع توفير الحد الأدنى من المهمات التي من الممكن أن تعطي الأمل للمواطنين وتساهم بانتزاع المبادرة بجهد مجتمعي فاعل ودون مرجعية مؤثرة.

من الممكن أن يكون هذا الجسم التنسيقي ذو طبيعة مؤقتة ليشكل مرجعية للمواطنين الفلسطينيين ريثما تستقر الأمور وتتضح معالم المرحلة القادمة.

في واقع غير يقيني ومضطرب، تقوم منظمات المجتمع المدني والشبكات الشبابية والنسوية والمبادرات المجتمعية العديدة بالتفكير خارج الصندوق بهدف الاستمرار في تنفيذ أحد أهدافها، وهي التأثير بالسياسات العامة حتى لو تم ذلك في سياق تراجع الحوكمة الرسمية.

انتهى.