استخدم بعض وسائل الإعلام تعبير «فرنسا تحترق» لوصف المظاهرات والاضطرابات التي تعيشها المدن الفرنسية هذه الأيام والتي بدأت بمظاهرات طلاب المدارس وتوسعت لتشمل رجال الإطفاء والموظفين في القطاع العام، ثم تحولت في بعض المناطق إلى أعمال تخريب ونهب.
فقد رفع المتظاهرون الطلاب شعارات حل مشكلة المدارس ثم مع انضمام قطاعات أخرى صارت المطالب بالإضافة لحل مشكلة التعليم، تحسين الأجور وأزمة الوقود. ولو عدنا للسبب الأول لاندلاع المظاهرات والمتعلق بالتعليم هناك أربع قضايا يعاني منها التعليم في فرنسا خاصة في الضواحي وهي: الاكتظاظ الشديد في الفصول الدراسية، والمباني القديمة والمتهالكة والنقص الشديد في الكادر التعليمي، والشعور بالتمييز بين صفوف المهاجرين والفئات الضعيفة في الضواحي. لكن الأزمة الفرنسية والتي تمثل أزمة اقتصادية وأزمة إدارة وبيروقراطية داخل الدولة، هي بالأساس جزء من أزمات أوروبية عميقة تهدد استقرار الاتحاد الأوروبي واستقلاليته.
ولو أخذنا على سبيل المثال الوضع الاقتصادي في ألمانيا التي تمثل كبرى الاقتصادات الأوروبية والاقتصاد الثالث عالمياً، سنجد أن ألمانيا خسرت خلال السنوات من 2020 - 2025 ما يقرب من 734 مليار يورو.
وفقد القطاع الصناعي فقط 177 ألف وظيفة خلال عام 2025 منها حوالى 50 ألف وظيفة في قطاع السيارات.
وتتوقع المعاهد البحثية المتخصصة في ألمانيا أن يستمر فقدان الوظائف ويصل إلى أكثر من ربع مليون وظيفة حتى عام 2028. وخسرت ألمانيا في عام 2024 فقط 100 مليار يورو بسبب ارتفاع أسعار الوقود. هذا طبعاً قبل الارتفاع الحالي بسبب حرب الخليج التي لا تزال قائمة وقد تتصاعد. وقد أغلق في ألمانيا خلال السنوات الست الماضية مليون و65 ألف شركة بمعدل 486 شركة يومياً.
هناك أسباب عديدة لتدهور الأوضاع الاقتصادية في أوروبا، منها الحرب الأوكرانية التي اعتبرتها أوروبا تهديداً لأمنها وبقائها واستثمرت أمولاً طائلة لدعم أوكرانيا في وجه روسيا، حيث قدم الاتحاد الأوروبي ما يقرب من 221 مليار يورو منذ بداية الحرب وفي عام 2026 قدم مساعدة إضافية بقيمة 3.47 مليار يورو، بالإضافة إلى 28.3 لدعم القدرات والصناعات العسكرية وقرضاً بقيمة 60 مليار يورو لنفس الغرض ومساعدة أخرى بقيمة 30 مليار يورو لدعم الموازنة الأوكرانية.
والآن مع الموقف الأميركي الجديد للرئيس دونالد ترامب بتحميل أوروبا كلفة الحرب وتقليص الدعم الأميركي أصبحت الأمور أكثر تعقيداً.
والخسائر لا تتعلق فقط بالإنفاق على الحرب بل كذلك بتحمل أعباء التوقف عن استيراد الغاز والبترول من روسيا واضطرار أوروبا للاستيراد من الولايات المتحدة بأضعاف الأسعار.
والآن هناك حرب الخليج التي رفعت أسعار الطاقة بنسبة 25% ولكن المواطن الأوروبي غالباً ما يدفع أكثر من 100% ثمناً لأسعار الوقود مع احتساب التكاليف الإضافية.
ومن الأسباب الأخرى التي تثقل كاهل أوروبا، تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة والجفاف الذي يضرب القارة. فارتفاع الحرارة والجفاف سببا حرائق هائلة في القارة وأيضاً تسببا في انخفاض منسوب المياه في الأنهار الأوروبية مثل نهر الراين ونهر الدانوب وهذا زاد من كلفة النقل حيث لم تعد السفن الكبيرة قادرة على التنقل في الأنهر التي أضحت أكثر ضحالة.
كما أن هناك مشكلات تتعلق بالطاقة وخاصة النووية بسبب انحسار مياه الأنهر. فمحطات الطاقة النووية تعتمد في التبريد على مياه النهر. وهناك الآن أزمة لدى المجر ورومانيا في محطات توليد الطاقة النووية على نهر الدانوب بسبب تراجع منسوب المياه، حيث اضطرت الدولتان لإغلاق جزئي أو كلي للمحطات.
ويوجد سبب آخر للأزمات الأوروبية هو ملف الهجرة. ولقد كشفت حادثة سبتة حيث اقتحم أكثر من 72 ألف مواطن مغربي مدينة سبتة الخاضعة للسيطرة الإسبانية والذي أدى إلى غرق ووفاة العشرات، أن الاتحاد الأوروبي يعاني من أزمة تضامن وعدم توزيع الأعباء في موضوع الهجرة وعدم القدرة على معالجة الموضوع بصورة جذرية بالرغم من عودة غالبية الذين دخلوا لسبتة وانخفاض معدلات الهجرة. فالهجرة تكلف الاتحاد الأوروبي مبالغ طائلة وتخلق تغييراً في الواقع الديمغرافي ومشكلات اجتماعية وغيرها.
وهي مختلفة عن الحاجة الملحة للأيدي العاملة التي تتم معالجتها بصورة انتقائية.
أما المعضلة الأكبر فهي في الأزمات داخل الاتحاد الأوروبي مثل التفاوت بين الدول على مستوى التقدم والتنمية وأزمة البيروقراطية وعدم الإصلاح أو المماطلة فيه، وغياب الموقف الموحد والبطء في اتخاذ القرارات. ولكن الخطر الداخلي الحقيقي على استقرار الاتحاد هو اليمين القومي والشعبوي الذي يركز على أولوية المصلحة القومية على حساب وحدة أوروبا.
ويبدو أن المستفيد من الأزمات الحالية هو أحزاب اليمين المتطرف التي تحاول استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة والاحتجاجات الشعبية لصالحها في الانتخابات من خلال التركيز على وقف الهجرة والاهتمام بمصالح الدولة دون اعتبار للمصلحة الأوروبية العامة.
وهذه الأحزاب دون شك ستشكل خطراً على وحدة واستقرار أوروبا إذا تحكمت في مقاليد الحكم في الدول الأكثر تأثيراً.
وبطبيعة الحالة هناك مشكلات أخرى اقتصادية مع الولايات المتحدة بسبب الجمارك التي فرضها ترامب. ومشكلات أخرى مع الصين بسبب العجز التجاري معها وتحكم الأخيرة في أهم عناصر الصناعة في أوروبا وخاصة المعادن النادرة التي تنتج الصين منها 60% من الإنتاج العالمي وتحتكر 90% من التكرير.
وقد أغرقت الصين أوروبا بالسلع الرخيصة التي تنافس الصناعات الأوروبية وتؤثر سلباً على اقتصادها.
أمام هذا الوضع من الصعب رؤية أوروبا مستقلة وقوية وقادرة على لعب دور محوري في العالم. ولعل المسألة الفلسطينية إحدى حقول الاختبار للسياسة الأوروبية. فرغم موقف الاتحاد الأوروبي الداعم لحل الدولتين والرافض للاحتلال الإسرائيلي إلا أن أوروبا تفشل في اتخاذ موقف ولو بسيطاً وجزئياً بخصوص فرض عقوبات على المستوطنين والاستيطان في المناطق الفلسطينية المحتلة رغم الإحراج الذي يسببه إرهاب المستوطنين للسياسة الأوروبية.
كما أن أوروبا غائبة تقريباً عن لعب أي دور في الحرب الحالية على إيران رغم أنها تتأثر ربما أكثر من غيرها من تداعيات الحرب.