مع اقتراب الشتاء، تبدو غزة أمام فصل جديد من المعاناة، لا يقل قسوة عن الحرب التي أنهكت الإنسان والمكان. فالعاصفة القادمة لن تكون مجرد منخفض جوي عابر، بل اختبارًا قاسيًا لقدرة الخيام المهترئة ومراكز الإيواء المؤقتة على حماية آلاف النازحين من المطر والبرد والرياح.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل تستطيع هذه الخيام الصمود أمام شتاء عاصف؟ وهل تكون أوتادها أقوى من الرياح؟
تحذيرات وزارة التنمية الاجتماعية في غزة تضعنا أمام واقع شديد الخطورة؛ إذ يعيش أكثر من 90% من سكان القطاع، أي ما يزيد على 1.8 مليون فلسطيني، في خيام أو مراكز إيواء أو بين أنقاض منازلهم المدمرة، في ظروف تجعل الشتاء القادم تهديدًا مباشرًا لحياتهم، خصوصًا الأطفال وكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة.
ولا يكمن الخطر في المطر وحده، بل في غياب مقومات مواجهة الشتاء. فهناك نقص في الخيام والبطانيات والفرش والملابس الشتوية ومواد العزل ووسائل التدفئة، إلى جانب ضعف شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، وتراكم النفايات؛ وهي عوامل قد تجعل مخيمات النزوح عرضة للغرق وانتشار الأمراض والأوبئة.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال الجهود الإنسانية التي بذلتها المؤسسات العربية والدولية والغربية، وما قدمته من دعم ومساعدات متواصلة للنازحين الفلسطينيين. وهي جهود تستحق التقدير، لكنها، أمام حجم الكارثة، لا تعني أن الاحتياجات قد انتهت أو أن الخطر قد زال.
ومن هنا، نوجه نداءً عاجلًا إلى المؤسسات الإنسانية والإغاثية والدول المانحة، للتحرك المبكر وتكثيف الاستعدادات لمواجهة الشتاء، من خلال توفير الخيام والبطانيات والملابس الشتوية وكسوة الأطفال، والفرش ومستلزمات الأسر والمواد الغذائية والطبية، وتأمين وسائل التدفئة ومواد العزل، قبل أن تسبقنا العاصفة إلى مخيمات النزوح.
نريد للشتاء القادم أن يكون فصلًا دافئًا، وأن تتحول أمطاره إلى مصدر فرح للأطفال والشباب والنساء، لا إلى مشهد جديد من الخوف والغرق والبرد. نريد أن يسمع أطفال غزة موسيقى حبات المطر، وأن تتحول تلك الموسيقى إلى سمفونية دفء وسعادة، بدلًا من أن تصبح أصواتًا توقظ فيهم ذكريات الخيام الغارقة والليالي القاسية.
إن المطلوب اليوم لا يقتصر على توزيع البطانيات والخيام، بل يتطلب خطة شتوية متكاملة تشمل تأهيل أماكن النزوح، ورفع كفاءة شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، وإزالة النفايات، وتأمين ممرات آمنة تمنع تحول المخيمات إلى برك من المياه والطين، إلى جانب توفير مستلزمات الحماية والتدفئة.
وهنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية العربية والغربية، إلى جانب الدول التي قدمت الدعم، في الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التخطيط المبكر، ووضع حماية الإنسان في مقدمة الأولويات، قبل أن تضرب العاصفة.
فالشتاء في الظروف الطبيعية فصل من فصول السنة، أما في غزة، حيث يعيش الإنسان فوق أنقاض بيته وتحت سقف من النايلون والقماش، فقد يتحول إلى كارثة جديدة إذا لم تسبقه خطة استجابة حقيقية.
غزة لا تحتاج إلى من ينتظر سقوط المطر ليرى حجم المأساة؛ إنها تحتاج إلى من يتحرك قبل أن تهب الرياح.
فحين تكون الخيمة هي البيت، يصبح الاستعداد للشتاء دفاعًا عن الإنسان والكرامة والحياة.