نظرة «حماس» الاستخدامية للمواطنين
نشر بتاريخ: 2026/01/13 (آخر تحديث: 2026/01/13 الساعة: 18:27)

قطاع غزة على أبواب الدخول في المرحلة الثانية من خطة ترامب التي تتضمن تشكيل مجلس وصاية دولي وقوات استقرار دولية، ولجنة حكم تكنوقراطية، والشروع في الإعمار. ويرتبط ذلك بنزع السلاح وإزالة خطر الأنفاق وانتقال الحكم من حركة حماس إلى مجلس الوصاية وفريق التكنوقراط. توافق «حماس» على تسليم الحكم وعلى نزع السلاح الثقيل وتتمسك بالسلاح الخفيف الذي يفهم منه أنها ستستمر في سيطرتها على القطاع. مقابل ذلك، يصر نتنياهو مدعوما من ترامب على نزع السلاح الثقيل والخفيف على حد سواء كشرط للانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة. وفي حالة رفض «حماس» لهذا الشرط فلدى نتنياهو وترامب بديل يتكون من بندين: الأول، الشروع في إعمار الجنوب بدءا من مدينة رفح. والثاني، قيام جيش الاحتلال بنزع السلاح بالقوة ضمن خطة تتضمن تدمير ما تبقى من أبنية وعمران وتوسيع سيطرة جيش الاحتلال إلى أكثر من 60% من أراضي القطاع.

لا تستطيع حركة حماس فرض شروطها لأنها في موقع لا تملك فيه أي عنصر من عناصر القوة. فأقصى ما تنشده الحركة هو مقايضة إدارة ترامب بدعم تركي قطري على بقاء سلاحها الفردي الذي يتضمن بقاء سيطرتها على المجتمع، مقابل دور وظيفي تحدث عنه خالد مشعل وأبو مرزوق وهو ضمان أمن غلاف غزة ومستوطناته، والحفاظ على الاستقرار داخل القطاع بما يخدم الأمن الإسرائيلي، وضمان فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية. ولتمرير هذه الصفقة على جمهورها تتحدث الحركة عن هدنة طويلة الأمد، يفهم من الهدنة أنها فترة زمنية لبناء القوة وإعادة الكرَّة مرة أخرى. وتغفل «حماس» أنها بذلك تقوض مبرر بقائها كحركة مقاومة إسلامية، ومبرر رفضها لاتفاق أوسلو.

أغلب الظن أن حكومة نتنياهو لن تقبل صفقة تُبقي على حكم «حماس» في قطاع غزة. وفي هذه الحالة تكون الحركة أمام خيارين، أحلاهما مر. الأول، رفض تسليم السلاح والمقامرة بما تبقى من بشر في الشمال والمساهمة في دفعهم إلى مناطق السيطرة الإسرائيلية، وما ينطوي عليه هذا الخيار من انتحار للمقاتلين والمواطنين بدون أفق أو خدمة هدف باستثناء هدف الدفاع عن تجربة الإخوان المسلمين الفاشلة في اكثر مراكزهم حيوية وتأثيرا - فلسطين -. الخيار الثاني، إذعان «حماس» للضغط الإسرائيلي الأميركي والقبول بتسليم السلاح والحكم وتصويره وكأنه اتفاق بين ندين، والرهان على البقاء من داخل الوصاية والاستسلام.

من يقبل باستمرار استفراد حركة حماس بمغامرة حرب جديدة تأتي على الأخضر واليابس، وتزيد من محنة وعذاب وتشرد وقهر ملايين الفلسطينيين؟. قيادة الحركة التي لم تتوقف عند مغامرتها في 7 أكتوبر ولم تعترف بأي خطأ وسوء تقدير وحولت الهزيمة المريرة إلى انتصار، تحاول، الآن، إعادة تجريب المجرب والمعروف بنتائجه المأساوية. كانت الخسائر الفادحة والهزيمة التي عبرت عنها شروط خطة ترامب كافية للاعتراف بالكارثة وأسبابها ونتائجها، كافية للقول، إن تجربة الإسلام السياسي في السيطرة على قرار الحرب والسلم وفي حكم المجتمع وفي تقديم مقاومة إسلامية بتطبيقات مقامرة، تجربة فاشلة ولم تعد محتملة أو قابلة للتجريب. صحيح أن الشعب هو من يقرر قبول «حماس» أو استبعادها بعد هذه التجربة. ولكن من حق أي مواطن أن يطالب بالتحقيق في الكارثة وخسائرها المادية والبشرية والمعنوية استنادا لمعايير حقوقية وإنسانية ووطنية، وليس لمفهوم ومعايير حركة حماس التي بررت كل شيء وحولت الاستسلام والوصاية إلى إنجازات باهرة. لا ينبغي التسليم بخطاب وفكر وأيديولوجية قادت إلى خسائر فادحة وكارثة. صحيح أن دولة الاحتلال هي التي مارست التدمير والإبادة وحطمت البنية التحتية وهي مطروحة للحساب عبر محكمتي العدل والجنائية الدوليتين وفي محاكم خاصة في بعض البلدان، ولكن هناك مسؤولية على حركة حماس باعتبارها الطرف الذي اعلن حربا شاملة على دولة متغطرسة بدون قراءة ميزان القوى العسكري والجيوسياسي وتسبب كطرف ثانٍ في كارثة لملايين الفلسطينيين. وفي هذا الصدد، ثمة حق فردي وحق عام لا ينبغي تجاهلهما أو إسقاطهما.

وقبل وأثناء ذلك، ينبغي رفض مفهوم «حماس» الاستخدامي للمواطنين الذي لا يخلو من استعباد والذي اتبعته ومارسته حركة حماس قبل وأثناء وبعد الحرب، مستخدمة سلاح الدين في تطويع الناس، والرعاية النفعية لقاعدتها التنظيمية الاجتماعية، والترهيب والقمع. قرأت «حماس» حرب الإبادة، التي وضعت المجتمع الغزي أمام خيار الموت أو انتظار الموت، في ظل انعدام خيارات المكان الآمن لـ 2.3 مليون مواطن أعزل عاشوا طوال الوقت في شروط غير إنسانية. بدلا من القول، إن عجز النظام الدولي ومؤسساته عن توفير الحماية كان بمثابة وصمة عار في جبين ذلك النظام، قالت «حماس» في كراسها. إنه «نموذج للتضحية والبطولة أذهل العالم، وفي الواقع كانت كلمة حق يراد بها باطل، يراد بها تبرير تنصل (حماس) من المسؤولية عن أمن مجتمعها، سواء من خلال عدم الإقدام على هذا النوع من الحرب، أو نزع الذرائع من دولة الاحتلال بوقف الحرب وتسليم الرهائن في الأيام والأسابيع الأولى من الحرب، أو تأمين الملاجئ على الأقل للأطفال والمسنين والمرضى والحوامل كجزء من شبكة الأنفاق. لم يكن من باب الصدفة تنصل قيادة «حماس» من مسؤولية تأمين الحماية لمواطنيها منذ البداية وإحالة المهمة إلى «الأونروا» والأمم المتحدة باعتبار أكثرية المجتمع الغزي من اللاجئين. وكذلك الاستهانة بعدد الضحايا الأكثر عددا في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كالقول، إن الخسائر تكتيكية، والقول، إن خسارة 100 ألف أو 200 ألف شخص يمكن تعويضهم بولادات جديدة، وان الغذاء يجب أن يذهب للمقاتلين قبل غيرهم. لم يكن من باب الصدفة أن قيادة «حماس» لم توجه خطابات خاصة لمواطنيها تشرح وتفسر ما يحدث وما هو المطلوب والى أين تتجه الأمور. كانت مهتمة بشرح وضع الرهائن الإسرائيليين والمخاطر التي تنتظرهم. ربما اعتمدت على خبراء فضائية الجزيرة في شرح تفوق المقاومة وإنجازاتها وتكريس خطاب يؤكد على مأزق المعتدين واندحارهم.

مبادرة ترامب حصيلة مقايضة حرب الإبادة المفتوحة بالحراك الدولي الذي عبرت عنه وثيقة نيويورك والمبادرة الفرنسية السعودية التي طرحت حل الدولة الفلسطينية، حراك بدأ يتفاعل ويحقق مكاسب سياسية ليس اقلها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، أدت إلى وقف الحرب ونصت على انسحاب إسرائيلي ووقف التهجير وإعادة الإعمار، وفي الوقت ذاته وضعت أساسا لوصاية وإعادة السيطرة على المجتمع الفلسطيني.

وكانت حركة حماس قد اعتمدت نظام عسكرة وتجييش المقاومة في الوقت الذي تعاملت مع المجتمع كمشجع للمقاومة، ومشارك في المهرجانات والاستعراضات والجنازات، وحرصت على تقنين وكبح أي فعل جماهيري خشية الإفلات من قبضتها كما فعلت مع مسيرات العودة، وكما قمعت الحراكات الشبابية، ولم تجرِ حركة حماس انتخابات للمجالس البلدية والمحلية والجامعات والاتحادات الشعبية داخل قطاع غزة طوال حكمها. لكنها تشارك في انتخابات الضفة.