يصادف اليوم، الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير، الذكرى الخامسة والثلاثين لاغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة: صلاح خلف “أبو إياد”، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وهايل عبد الحميد “أبو الهول”، عضو اللجنة المركزية للحركة، وفخري العمري “أبو محمد”، في جريمة سياسية استهدفت عقولًا وقيادات كان لها أثر بالغ في مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة. وفي هذه الذكرى، تستعاد سيرة هؤلاء القادة، منذ نشأتهم الأولى، مرورًا بأدوارهم النضالية، وصولًا إلى اغتيالهم الذي شكّل محطة مفصلية في التاريخ الوطني الفلسطيني.
صلاح خلف “أبو إياد”… من مقاعد الدراسة إلى قلب القرار الوطني
وُلد الشهيد صلاح خلف، المعروف باسم “أبو إياد”، عام 1933 في مدينة يافا، ونشأ في أسرة فلسطينية عايشت التحولات الكبرى التي سبقت نكبة عام 1948. وبعد تهجير عائلته، تنقّل بين عدة دول عربية، حيث تلقى تعليمه، قبل أن يتجه إلى العمل الوطني مبكرًا متأثرًا بما حلّ بالشعب الفلسطيني من اقتلاع وتشريد.
كان أبو إياد من المؤسسين الأوائل لحركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، وبرز منذ البدايات كأحد أهم منظّري الحركة السياسيين والأمنيين. تولّى مهام قيادية حساسة داخل منظمة التحرير الفلسطينية، أبرزها الإشراف على جهاز الأمن الموحد، ولعب دورًا مركزيًا في حماية القرار الوطني الفلسطيني من محاولات الاختراق والاحتواء.
وعُرف الشهيد أبو إياد بمواقفه السياسية الواضحة الداعية إلى وحدة الصف الفلسطيني، وحرصه على بناء علاقات عربية ودولية تخدم القضية الفلسطينية دون التفريط بالثوابت الوطنية. كما شكّل أحد أعمدة العمل الدبلوماسي للثورة الفلسطينية، وكان حاضرًا في محطات مفصلية من تاريخ النضال الفلسطيني، مدافعًا عن استقلالية القرار الفلسطيني وحق الشعب في تقرير مصيره.
هايل عبد الحميد "أبو الهول”… القائد الصامت وباني التنظيم
وُلد الشهيد هايل عبد الحميد، المعروف باسم “أبو الهول”، عام 1937 في مدينة صفد شمال فلسطين، ونشأ في بيئة وطنية مشبعة بروح المقاومة. وبعد نكبة عام 1948، عايش مرارة اللجوء، وهو ما أسهم في صقل وعيه الوطني مبكرًا، ودفعه للانخراط في صفوف العمل الفدائي.
انضم أبو الهول إلى حركة فتح في مراحلها الأولى، وتدرّج في مواقعها التنظيمية والعسكرية، حتى أصبح عضوًا في لجنتها المركزية. عُرف بأسلوبه الهادئ والمنضبط، وبقدرته على إدارة الملفات التنظيمية المعقدة، ما جعله أحد الأعمدة الأساسية في بناء وتماسك البنية الداخلية للحركة.
وكان للشهيد أبو الهول دور بارز في الإشراف على العمل العسكري والتنظيمي خلال مراحل متعددة، وأسهم في تطوير الأداء الفتحاوي وتعزيز الانضباط داخل الأطر التنظيمية. ورغم ابتعاده عن الأضواء الإعلامية، إلا أن حضوره كان فاعلًا في دوائر صنع القرار، حيث عُرف بالحكمة والالتزام العميق بالخط الوطني لحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية.
فخري العمري “أبو محمد”… من الرعيل الأول وحارس الثورة
وُلد الشهيد فخري العمري، المعروف باسم “أبو محمد”، عام 1936 في مدينة الرملة، ونشأ في كنف أسرة فلسطينية بسيطة، قبل أن تقتلعها نكبة عام 1948 من أرضها. وقد شكّلت تجربة اللجوء محطة حاسمة في وعيه الوطني، ودافعًا رئيسيًا لانخراطه المبكر في العمل الثوري.
كان أبو محمد من الرعيل الأول المؤسس لحركة فتح، وارتبط اسمه بمراحل التأسيس الأولى للحركة، حيث تولّى مهام تنظيمية وأمنية بالغة الحساسية. وعُرف بقربه الشديد من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وكان من الشخصيات الموثوقة التي أوكلت إليها ملفات دقيقة تتعلق بأمن القيادة والثورة.
ولعب الشهيد فخري العمري دورًا مهمًا في بناء الهياكل الأمنية والتنظيمية لحركة فتح، وأسهم في حماية مسار الثورة الفلسطينية في ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد. كما عُرف بإخلاصه الشديد وانضباطه الثوري، وابتعاده عن الأضواء، مكتفيًا بالعمل بصمت في خدمة القضية.
جريمة الاغتيال… استهداف للقيادة والقرار الوطني
في الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير عام 1991، اغتيل القادة الثلاثة في العاصمة التونسية، في جريمة هزّت الشارع الفلسطيني والعربي، واستهدفت بشكل مباشر أحد أعمدة القيادة التاريخية لحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية. ورأى مراقبون أن الاغتيال لم يكن موجّهًا لأشخاص بعينهم فحسب، بل لمحاولة ضرب وحدة القيادة الفلسطينية وإضعاف المشروع الوطني في مرحلة سياسية حساسة.
إرث نضالي حاضر في الذاكرة الوطنية
بعد 35 عامًا على اغتيالهم، لا تزال سيرة القادة الثلاثة حاضرة في الوجدان الفلسطيني، بما قدّموه من تضحيات وأدوار مفصلية في مسيرة الثورة. وتؤكد هذه الذكرى أن دماء الشهداء لم تذهب هدرًا، وأن النهج الذي أسسوه سيبقى جزءًا أصيلًا من الذاكرة الوطنية الفلسطينية، ومصدر إلهام متجدد للأجيال الساعية إلى الحرية والاستقلال.