دقـت سـاعـة الـعـمـل
نشر بتاريخ: 2026/01/20 (آخر تحديث: 2026/01/20 الساعة: 16:51)

مصلحة الشعب الفلسطيني التي يمكن اشتقاقها من خطة ترامب هي: وقف نزيف الحرب والتدمير، وتحويل قطاع غزة إلى مكان قابل للحياة ما يعزز البقاء وقطع الطريق على التهجير إلى الخارج، انسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة، وإعادة الإعمار. وكل ذلك يعتمد على المرحلة الثانية من الخطة فهل تقلع أم تتعثر؟.

كانت الخطوة العملية الأولى تشكيل إدارة تكنوقراط في قطاع غزة والموافقة عليها من السلطة ومنظمة التحرير و»حماس» والتنظيمات ما أضفى عليها شرعية فلسطينية، ووافقت عليها إدارة ترامب، والدول الوسيطة وخاصة مصر، ولم تعترض عليها حكومة نتنياهو. والأهم أن الإدارة الجديدة قوبلت برضا محفوف بالحذر من قبل الغزيين المنكوبين والمشردين بلا مأوى وبلا حياة آدمية.

منذ إعلانها وبعد اجتماعها الأول، حدد رئيس الإدارة علي شعث مهمات اللجنة كالآتي: توسيع نطاق المساعدات الإنسانية للقطاع ووضع أولوية إدخال 200 ألف كرفان. وهذا من شأنه التخفيف من الكارثة الإنسانية وتأمين حد أدنى انتقالي للعيش في مكان لا تجتاحه مياه الأمطار ولا تقتلعه الرياح العاصفة. المهمة الثانية: إعادة تشغيل الخدمات العامة الأساسية والمرافق الحيوية، كالمستشفيات والمدارس والمياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق.

المهمة الثالثة: إعادة بناء منظومة مؤسسية تكرس مبدأ السلطة الواحدة والقانون الواحد والسلاح الواحد بما يضمن الأمن وسيادة القانون للجميع. هذه المهمة في غاية الأهمية لأنه دون مؤسسة تعمل بموجب النظام والقانون وتخضع للنقد والمساءلة والمحاسبة. فإن مهمات الإغاثة والخدمات العامة وإعادة تأسيس بنية تحتية وإعادة الإعمار وإعادة اللحمة للمجتمع ستكون مهددة بالإخفاق والفشل.

أمام الإدارة الجديدة تحدٍ من الوزن الثقيل هو النجاح، والنجاح وثيق الصلة بعدم تكرار الأخطاء والحماقات والارتجال والفئوية والفساد والبيروقراطية التي زعزعت العلاقة بين المجتمع والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية. لقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن العامل الذاتي المعافى الذي عماده المجتمع هو الضمانة الكبرى لإفشال المخططات المعادية وانتزاع الحقوق وتقرير المصير. وهذا العامل لا يمكن تجاهله أو إخضاعه إلى ما لا نهاية. فالذين أرادوا فرض سلطتهم بالقمع على المجتمع واستخدامه والمغامرة بحياته وبمصيره خسروا إلى غير رجعة بعد تجربة حكمهم الفاشلة، والذين اعتبروا شرعيتهم مستمرة بدون الإيفاء أو حتى مراجعة العقد الوطني والاجتماعي الذي يطرح حقوقا وواجبات بين طرفين وليس علاقة من طرف واحد، هؤلاء خسروا ثقة أكثرية المجتمع ولن تعود الثقة دون تصويب العلاقة. والذين اعتقدوا أن نفوذهم سيتعزز من خلال أموال مشغليهم اخفقوا بعد انسحاب وكلائهم من ساحة الحرب. وفي الجهة الأخرى، أخفق المحتلون في صناعة ميليشيات تعمل بأجنداتهم، وبصناعة نفوذ عبر الشركة الأميركية الإسرائيلية التي حاولت احتكار توزيع الغذاء. التغيير والتطوير لا يحدث دون مشاركة المجتمع ودون قواعد وأنظمة وقوانين نابعة من مصالحه. حقا، يستطيع المجتمع الفلسطيني أن يجذب الحلفاء من كل حدب وصوب، ويتجاوز التدخلات والإملاءات الإسرائيلية والأميركية، وأن يعيد طرح حقه في تقرير المصير والخلاص من الاحتلال على بساط البحث، إذا أعاد بناء ذاته.

أضعنا فرصة إعادة البناء بعد إبرام اتفاق أوسلو وتأسيس أول سلطة فلسطينية، فكان يمكن وضع منظومة قوانين عصرية وفي مقدمتها قانون أحزاب وقانون أحوال شخصية، وبناء مؤسسة ديمقراطية – مجلس تشريعي -، وتطوير نظام التعليم، وإنشاء مؤسسة وقانون ضمان اجتماعي يلبي حقوق العاملين. كان من شأن البناء والتنمية والديمقراطية بناء مجتمع قوي وقادر على تحدي علاقات السيطرة الاستعمارية المفروضة عليه، وقادر على استقطاب أجزاء مناهضة للاحتلال من داخل المجتمع الإسرائيلي وهو أهم سلاح في مواجهة احتلال إقصائي. للأسف تم إهدار هذه الفرصة. وتم إهدار فرصة أخرى بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، كان بالإمكان تحويل القطاع إلى مركز للاستثمار في الصناعة والهايتك والزراعة والسياحة، ومركز للنضال التحرري اللاعنفي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتقرير المصير في جميع الأراضي المحتلة العام 1967. تم إهدار الفرصة بتحويل القطاع إلى قاعدة عسكرية فاشلة هدفها المضمر هو السيطرة على المجتمع في قطاع غزة وتحويله إلى قاعدة في خدمة مصالح إيران الإقليمية، وقاعدة للإخوان المسلمين وامتداداته في العالم، ليصبح عرضة لحصار واعتداءات إسرائيلية وليستخدم في فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وبعد مغامرة 7 أكتوبر استخدم لشن حرب إبادة ومحو.

الآن، أمامنا فرصة جديدة ووحيدة من داخل سيطرة ووصاية وتحكم أميركي وإسرائيلي، ولكن مع وجود شركاء من دول شقيقة وصديقة وهيئات دولية يستطيعون تقديم المساعدة والدعم للشعب المنكوب والمدمر، وقد ساهموا فعلا في وقف الحرب ومعاظمة الاعتراف الدولي بالحق الفلسطيني في الخلاص من الاحتلال وإقامة الدولة. أمامنا فرصة لدرء خطر استمرار واستئناف حكومة نتنياهو لحرب الإبادة والتهجير، ومن أجل إعادة الإعمار وتحويل قطاع غزة إلى مكان قابل للبقاء والحياة والتطور بما يعزز عملية التحرر وتقرير المصير.

بعد الإعلان عن إدارة التكنوقراط في غزة يمكن القول، دقت ساعة العمل بالنسبة للكل الفلسطيني، ولدينا عوامل وعناصر تساعد في النجاح مثل: 1- استمرار تأمين الغطاء السياسي للإدارة الجديدة واعتبارها جزءا من الشرعية الفلسطينية والمشروع الوطني 2- وضع البنية الإدارية للصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية والدفاع المدني للسلطة في خدمة إدارة غزة الجديدة.

3 – تحويل التبرعات التي قدمتها شعوب عربية وإسلامية وصديقة منذ بدء الحرب عبر حركة حماس، إلى صندوق الإدارة الجديدة لدعم المنكوبين.

4 - تشجيع المبادرات الشبابية التطوعية التي انطلقت أثناء الحرب والعمل على توسيعها للمشاركة في العمل وإعادة البناء ومساعدة المنكوبين.

5 - توقف سلطة «حماس» عن جباية الضرائب والعمولات، والتوقف عن الاعتقال والترهيب وقمع المبادرات الشبابية، وعدم تقديم الذرائع لحكومة نتنياهو كي تواصل الحرب وتعرقل الإعمار وتستمر في الحصار.

6 - إيجاد حل طوعي لنزع السلاح الذي تراهن حكومة الاحتلال على استخدامه ذريعة لعدم الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب، ولاستئناف حرب الإبادة والتدمير. يمكن نقل السلاح الخفيف للسلطة والشرطة الفلسطينية، وإيداع السلاح الثقيل في مخازن تابعة للجيش المصري في سيناء.

7- وقف استباحة المستوطنين وجيش الاحتلال للضفة الغربية، أرضا وشعبا، كجزء من وقف الحرب في قطاع غزة، فلا يمكن تجزيء الحرب والحل.