حين يُقتل الشاهد: الصحفيون في غزة بين نيران الحرب وواجب الحقيقة
نشر بتاريخ: 2026/01/21 (آخر تحديث: 2026/01/21 الساعة: 21:03)

 

لم يعد استهداف الصحفيين في غزة حادثًا عابرًا يمكن وضعه في هامش الأخبار، ولا تفصيلًا ثانويًا في سياق حرب طويلة ومفتوحة. ما يجري هو سياسة واضحة المعالم تستهدف الحقيقة ذاتها، عبر إسكات من ينقلونها بالصوت والصورة، ومنعها من الوصول إلى الرأي العام العالمي دون تشويه أو تزييف.

في غزة، لا يُقتل الصحفي لأنه كان في المكان الخطأ، بل لأنه كان في المكان الصحيح. كان في قلب الحدث، بين الركام، قرب الضحايا، شاهدًا على القصف والدمار، وناقلًا لمعاناة المدنيين كما هي. الرصاصة التي تصيب الصحفي لا تستهدف فردًا واحدًا، بل تسعى إلى إسكات رواية كاملة، وطمس الوقائع، وحرمان العالم من حقه في المعرفة.

استشهاد الزملاء الصحفيين عبد الرؤوف شعث، أنس غنيم، ومحمد قشطة لا يمكن التعامل معه بوصفه مأساة فردية أو استثناءً عابرًا. فهذه الجرائم تأتي في سياق نمط متكرر من الاستهداف الممنهج للإعلام الفلسطيني، حيث يُعاقَب الصحفي على قيامه بواجبه المهني، لا على أي دور قتالي أو عسكري. هؤلاء لم يحملوا سلاحًا، بل حملوا الكاميرا والميكروفون، واختاروا أن يكونوا شهودًا لا صامتين، فدفعوا حياتهم ثمنًا للحقيقة.

إن استهداف الصحفيين يشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، وخرقًا صريحًا لاتفاقيات جنيف التي تضمن حماية الإعلاميين أثناء النزاعات المسلحة. غير أن خطورة هذه الجرائم لا تقتصر على بعدها القانوني، بل تمتد إلى بعدها الأخلاقي والسياسي؛ فهي تعبير عن خوف عميق من الحقيقة، واعتراف ضمني بأن الكلمة والصورة باتتا أكثر تأثيرًا من أي سلاح في ساحة المعركة.

الصمت الدولي، أو الاكتفاء ببيانات القلق، لم يعد موقفًا محايدًا، بل أصبح شكلًا من أشكال التواطؤ. فعندما يُقتل الصحفي ولا يُحاسَب القاتل، تتحول الجريمة إلى سابقة، ويتحوّل استهداف الإعلام إلى أداة مشروعة في النزاعات المقبلة، بما يهدد حرية الصحافة في كل مكان.

إن الدفاع عن الصحفيين في غزة ليس قضية مهنية تخص الصحفيين وحدهم، بل هو دفاع عن حق الإنسان في المعرفة، وعن حرية الإعلام باعتبارها ركيزة أساسية لأي نظام دولي يدّعي احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون. فحين تُسحق الحقيقة في غزة، يتعرّض هذا الحق العالمي للتقويض في كل مكان.

في غزة، تُقصف الحقيقة، لكنها لا تُدفن.

فكل صحفي يُقتل يترك خلفه شهادة حيّة، وصوتًا أعلى، وذاكرة لا يمكن محوها، وإدانة ستبقى قائمة مهما طال الزمن.