إسرائيل تتوسّع أمنياً على حساب دول الجوار
نشر بتاريخ: 2026/01/27 (آخر تحديث: 2026/01/27 الساعة: 19:31)

استثناء إسرائيل من خطاب "التنمّر"، الذي ما فتئ يطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كل الاتجاهات، يثير الاستغراب، حتى مع التخمين بأن السبب يعود إلى ما بين البلدين من علاقات تحالف إستراتيجي، ذلك أن ترامب لم يستثنِ في خطابه التهديدي أيّاً من الحلفاء، لا الأوروبيين ولا الكنديين، وصحيح أن علاقة إسرائيل بأميركا وثيقة تاريخياً، وفي العقود الأخيرة توثقت أكثر، كذلك معروف أن الرؤساء الأميركيين يحسبون حساباً كبيراً للوبي الصهيوني، منذ أن يترشحوا للانتخابات الرئاسية، لكن مجرد إجراء مقارنة بين علاقة ترامب هذه الأيام بنتنياهو، وعلاقة سلفه جو بايدن الذي كان يفتخر بكونه صهيونياً، وإن لم يكن يهودياً، يثير الاستغراب فعلاً.

فبايدن رفض منح نتنياهو الضوء الأخضر لضرب إيران، فضلاً عن محاولاته المتواصلة لوقف الحرب على غزة، أولاً عند حدود ما قبل اجتياح رفح، ثم بعد ذلك خاصة أن تقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بما فيها الجيش كانت تشير إلى أن حرباً مفتوحة، وبلا أهداف سياسية أو عسكرية محددة، هي حرب غير مفهومة الدوافع، إلا على أنها من أجل بقاء ائتلاف نتنياهو في الحكم، وصحيح أن بايدن كان بحاجة إلى التخلص من عبء الحرب، حتى يعزز موقفه الانتخابي أولاً، ومن ثم موقف حزبه ممثلاً بنائبته كامالا هاريس في مواجهة ترامب، إلا أن الدافع الانتخابي في دولة المؤسسات ليس هو كل شيء، أما ترامب فلم يطلق الكلام الكثير حين كان مرشحاً، لكنه ما إن فاز حتى قدّم نفسه كداعية سلام يسعى لجائزة نوبل، وأنه الرجل الذي سيطفئ نار الحروب، خاصة أهم حربين وهما حرب الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية.

وفعلاً ضغط عبر استحداث سابقة أن يشارك مبعوثه ستيف ويتكوف في مفاوضات صفقة كانون الثاني، أي قبل دخوله البيت الأبيض، بما أشاع بأنه سيشكل مشكلة لنتنياهو، خصوصاً أنه كان لا يخفي استياءه تجاهه، منذ أن قام نتنياهو بتهنئة بايدن بفوزه في انتخابات العام 2020، لكن بصرف النظر عن العلاقة الشخصية بين الرجلين، إلا أن نتنياهو نفسه فوجئ بإعلان ترامب في أول لقاء بينهما في شباط العام الماضي، برغبته في السيطرة الأميركية على قطاع غزة، وذلك لأن أميركا تسعى إلى إنشاء مشروع ريفيرا الشرق الأوسط في القطاع، ويبدو أن ملامح تلك الصفقة ظهرت في خطة ترامب ذات العشرين بنداً، خاصة لجهة أن المرحلة الأولى منها أكدت انشطار القطاع إلى شطرين، غربي ملتصق بشاطئ البحر، وفيه السكان الغزيون بعد أن أجبرتهم إسرائيل على النزوح من كل المنطقة الشرقية، وهكذا تسيطر إسرائيل على هذا الشطر الخالي من السكان، فيما تسيطر أميركا على الشطر الغربي، الذي يمثل جغرافيا مشروع الريفيرا.

بالطبع يجري الإعلان بين فينة وأخرى عن "خلافات" بين الجانبين، لعل آخرها ما ظهر حول الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب، والتي من أجل تسويتها ذهب نتنياهو للقاء شريكه في حربه لإخضاع الشرق الأوسط، وذلك عشية أعياد رأس السنة، ومجدداً فاجأ ترامب كل المراقبين حين خرج ينطق بلسان نتنياهو، ليقول: إن المرحلة التالية تتطلب نزع سلاح "حماس"، مع أنها تتطلب أيضاً انسحاب إسرائيل حتى الحدود الدولية قبل 7 أكتوبر 2023، لكن انسحاب إسرائيل ومسح الخط الأصفر لا يعرفان طريقهما إلى لسان ترامب ومساعديه، ورغم أن المرحلة الأولى تمحورت حول إطلاق المحتجزين مقابل الأسرى الفلسطينيين، وتم هذا من الجانب الفلسطيني، باستثناء جثة شرطي، التي أقل ما يقال حولها: إن إسرائيل هي التي لا ترغب في متابعة خطة ترامب، وبالتحديد الانسحاب إلى الحدود الدولية، لذلك لا تسمح بإدخال معدات الحفر والبحث الضرورية للوصول إلى جثته، هذا فضلاً عن مواصلتها إطلاق النار، التي أسقطت 500 شهيد، وعدم السماح بإدخال المساعدات كما نصت الصفقة، وعدم فتح معبر رفح بالاتجاهين.

أهم ما في أمر ترامب هو أنه فعلاً لا يسعى للتورط في حروب عسكرية طويلة الأمد، وهو أقدم على قصف مفاعل فوردو في إيران في حزيران الماضي، لأنها كانت عملية خاطفة، وأقدم على تنفيذ عملية عسكرية ضد فنزويلا دون مواجهة، وفتح الباب وأخرج قدمه للدخول إلى غرينلاند، لكنه حين أيقن أنه يمكن أن يدخل في حرب، أقلّها تفكيك الناتو، مع دول الاتحاد الأوروبي، تراجع، وبعد لقائه بسكرتير الناتو، الذي يبدو أنه شرح له المدى الذي سيذهب له الأوروبيون في الاصطفاف مع الدنمارك، أعلن في دافوس قبوله بالحل الوسط، الذي يعزز وجوده العسكري في الجزيرة الأطلسية، لكنه لا يمنحه ثرواتها من المعادن النادرة، أما فيما يخص إيران، فيبدو أن نتنياهو وافق على إعلان ترامب لمجلس السلام، مع وجود بعض التحفظات الإسرائيلية على بعض أعضائه مثل الأتراك والقطريين، مقابل منحه الضوء الأخضر لضرب إيران، أي لمتابعة إشعال الحرب في الشرق الأوسط، ما يؤكد إصرار الفاشية الإسرائيلية على متابعة طريق إسرائيل الكبرى.

ويبدو أن نتنياهو أقنع ترامب بأن الحرب على إيران لن تكون إلا وفق حروب ترامب الخاطفة، حين كشف له عن الكنز الاستخباراتي الإسرائيلي، وعن خطة إسقاط النظام الإيراني عبر إطلاق الاحتجاجات الموجهة من قبل العناصر التي تعد بالمئات من عملاء "الموساد"، وذلك بالتنسيق مع جماعات المعارضة التي أكل عليها الدهر وشرب، أي تلك التي كانت قبل أكثر من أربعة عقود، بالتحديد أنصار الشاه وجماعة مجاهدي خلق، ورغم أن "تجديد" الحرب على إيران يكشف إما بطلان ادعاء ترامب نفسه مع نتنياهو الذي سبق له أن قال: إن ضرب فوردو وإخوته في حزيران قد دمر برنامج إيران النووي تماماً، أو زيف ادعاء نتنياهو أن التحريض ضد إيران كان استناداً إلى احتمال امتلاكها للسلاح النووي، ويبدو أنه حتى لو كان القصف في حزيران قد حقق هدفه العسكري، المتمثل بتدمير المفاعلات النووية، فإن سعي إسرائيل لتجديد الحرب لا يستند فقط إلى هدف تدمير الصواريخ الباليستية التي أعيد ترميمها، ولكن بات الهدف هو إسقاط النظام، لأن من شأن ذلك أن يحقق كل الأهداف الأخرى، بما فيها الحفاظ على العملاء الذين يضطرون إلى الانكشاف وقت الحرب.

الغريب أيضاً هو أن ترامب لم يمنح نتنياهو الضوء الأخضر وحسب، بل رفع هو شخصياً راية الحرب، وحشد بوارجه وقطعه الحربية في الشرق الأوسط، بينما قيل: إن نتنياهو هو من طلب منه تأجيل إطلاق الحرب ريثما تتمكن إسرائيل من تغطية أجوائها بالقبب الحديدية الأميركية، لدرجة أن حديث شن الحرب على إيران بات حديثاً أميركياً، بينما يجري التساؤل إن كانت إسرائيل ستشارك فيها أم لا.

أما الخطر كله فيكمن فيما أعلن بأن أميركا ستجعل من قواعدها العسكرية في الأردن منصة الهجوم المرتقب على إيران، والحرب ستحدث حالة من التوتر وخلط الأوراق في عموم الشرق الأوسط، لأن إيران ليست فنزويلا، بل ويقال: إن الصين تقوم منذ وقت بمد إيران بأسلحة وعتاد يمكّنها على الأقل من الرد، ومن فرض حرب طويلة الأمد، وإذا ما وقع هذا فإن كل الجغرافيا الواقعة بين إيران وإسرائيل، أي العراق والأردن وسورية، فضلاً عن الخليج العربي حيث القواعد الأميركية، ستكون أرضاً محروقة، حيث سيجد إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش في الحرب فرصة لدخول القوات الإسرائيلية بما فيها البرية، أي ليس الأجواء الأردنية بالطائرات والصواريخ وحسب، بل الأرض الأردنية، وما يؤكد هذا هو ما أعلن عن قيام القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي بالاستعداد لسيناريو "حرب الغد" الذي يقوم على فرضية هجوم مسلح ضد إسرائيل قادم من الحدود الشرقية، أي من الأردن، وهذا يعني أن إسرائيل يمكنها أن تتوغل في الأرض الأردنية.

وما يزيد من احتمال تحقق هذا الأمر، هو أن ترامب، قبل أن يدخل البيت الأبيض، تحدث عن صغر مساحة إسرائيل الجغرافية، بما يتوافق مع أحلام الفاشيين الإسرائيليين من تلاميذ جابوتنسكي، والذي يعتبر عرّاب نتنياهو، وهو صاحب مقولة "للنهر ضفتان - يقصد نهر الأردن/ نهر الشريعة، ويتابع قائلاً: هذه لي وتلك لي أيضاً؟ فيما يبقى المؤكد أن نتنياهو وجد في الحرب على الشرق الأوسط خاتمة حياته السياسية التي أمضاها على طريق جابوتنسكي، وهو الذي اخترع صيغة التوسع الأمني في لبنان وسورية، وقبل ذلك مع مصر في سيناء، كذلك مع الخط الأصفر في غزة.