في لبنان المفاجآت القادمة هي الحاسمة!
نشر بتاريخ: 2026/06/08 (آخر تحديث: 2026/06/08 الساعة: 18:00)

من الثابت الآن، أن المفاجآت الميدانية في أداء المقاومة اللبنانية كانت مبهرة بكل المقاييس، ومن الثابت أيضاً أن هذا الأداء لم يكن في إطار التوقعات الإسرائيلية على الإطلاق. ومن المؤكد أن النجاحات الاستخبارية الإسرائيلية والإنجازات العملياتية منذ اليوم الأول لحرب الإسناد وحتى يومنا هذا كانت مبهرة أيضاً على مستوى الاختراقات، وعلى مستوى الكم الهائل والنوعي في تتبع وتعقب ومطاردة قيادة «حزب الله» وباقي المقاومين اللبنانيين واغتيال المئات من الكادر النشط.

لكن أين الإبهار في الحالتين؟

في الحرب التي دارت في لبنان منذ الثامن من أكتوبر 2023 وحتى الآن، لجأ «حزب الله» إلى التصعيد المتدرج المدروس، سواء من الناحية السياسية أو الميدانية، محكوماً بالمعادلة الداخلية. وضع «حزب الله» - كما أرى - خطته المتدحرجة التي تجعل من انخراطه المتصاعد في معركة الإسناد مسألة تؤمن له الوفاء بالتزامه اتجاه دعم قطاع غزة، باعتباره مكوناً محورياً من مكونات جبهة التصدي والممانعة. كما تجعل من هذا الانخراط مشروطاً بضوابط لبنانية سياسية تراعي وجود قوة سياسية لبنانية تعارض مبدأ الانخراط أصلاً، وتعارض بكل تأكيد الانخراط الكلي في هذه المعركة. الذي ساعد الحزب على الحفاظ والتحكم بهذه المعادلة الدقيقة، أنذاك هو أن القيادة الإسرائيلية نفسها لم تكن راغبة، وربما لم تكن قادرة أيضاً، على الانخراط التام والكلي في معركة شاملة ضد لبنان، وكانت تتروى وتنتظر المرحلة «المناسبة» اللاحقة بعد أن تتضح خارطة المعركة في القطاع، وبعد أن تكمل القوات الإسرائيلية، أو تستكمل الاستخبارات الإسرائيلية، التحضير للضربات القادمة التي عرفت في حينه بالرزمة القاتلة.

نعرف الآن كيف صارت الأمور، وكيف فشلت القوات الإسرائيلية في تحقيق نجاحات جدية في المعارك البرية مقابل النجاحات التي حققتها في المعركة الاستخبارية على مستوى البيجر واللاسلكي، وعلى مستوى النجاح في اغتيال قيادات وازنة في الحزب، وخصوصاً السيد حسن نصر الله، إضافة إلى النجاح في اغتيال القيادات العسكرية التي كانت تقود المفاصل العسكرية في الحزب.

المفاجأة التي أبهرت الإقليم وكل الأوساط العالمية المنخرطة في صراع الإقليم، هي الصورة التي ظهر بها الحزب عندما عاد وانخرط في القتال بعد العدوان على إيران، وبعد أن اعتقد الإقليم كله وكل هذه الأوساط أن الحزب قد فقد القدرة على مبادرات قتالية كبيرة، وأنه قد فقد القدرة حتى على الدفاع عن نفسه بأعلى من عمليات متفرقة هنا وهناك.

هنا يمكن أن نسجل بأن الحزب قد وجه لدولة الاحتلال وقواته واستخباراته أكبر صفعة على الوجه في العقود الأخيرة. وهنا يمكن أن نسجل بأن الحزب قد تمكن من إحداث أنجح عملية تمويه أحرجت الاستخبارات الإسرائيلية وقوضت كل إنجازاتها السابقة. وهنا علينا أن ننتظر مفاجآت حاسمة.

في الحرب البرية الأولى، والتي اتخذت في بعض مظاهرها الطابع الموقعي، وكان ذلك أحد الأخطاء التكتيكية التي وقع بها الحزب كما يبدو، وكما أكد بعض الخبراء العسكريين الموثوقين، استطاع الحزب أن يوقف خمس فرق عسكرية إسرائيلية. وفي هذه الحرب البرية، استطاع الحزب أن يحول كل حركة للقوات الإسرائيلية إلى مغامرة وإلى عبء عملياتي، يحول بقاء القوات الإسرائيلية على الأرض اللبنانية إلى فخ استراتيجي استنزافي، يفقد دولة الاحتلال زمام المبادرة في كامل الإقليم، ويعمق من الأزمة المستعصية التي تعصف بالدولة والمجتمع الإسرائيلي على حد سواء.

لم يعد أمام دولة الاحتلال سوى البحث عن مخرج من المصيدة اللبنانية بأسرع وقت ممكن، وليس من مهرب حقيقي سوى الهروب إلى غزة، وسوى البحث عن حرب جديدة لكي يعتاش عليها الائتلاف العنصري الحاكم في الفترة التي تفصلنا عن موعد الانتخابات القادمة.

ودولة الاحتلال ستلقي بكل أزماتها اللبنانية على لبنان، وأغلب الظن أنها وجدت ضالتها في السلطة اللبنانية. فالسلطة اللبنانية، من خلال إبداء استعدادها للانخراط الكامل وغير المشروط في زج المجتمع اللبناني وحشره في مختنق الاختبار، ما بين القبول بالشروط الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، وليس القبول بمبدأ الانسحاب، وبين العودة إلى منطق الصراع الداخلي وصولاً إلى الحرب الأهلية، تكون قد حملت لبنان وزر الأزمة الإسرائيلية وتبعات فشلها في فرض استراتيجية المنطقة الآمنة، وفي «حرية» التحرك على شاكلة ما يجري في الضفة وقطاع غزة، الآن، إلا بثمن مكلف وباهظ.

وبذلك، يبدو مستهجناً إلى أبعد الحدود أن تلعب السلطة اللبنانية هذا الدور، وأن تحمل نفسها هذا العبء وتحمل لبنان هذه التبعات. وبدلاً من أن تمسك السلطة اللبنانية باتفاق 2024 والذي يعتبر بكل المعايير اتفاقاً متوازناً، تتنازل السلطة الرسمية اللبنانية للأسف، حتى بعد تعديله عدة مرات.

السلطة اللبنانية مرعوبة من أن يؤدي الاتفاق بين أميركا وإيران إلى تحويل دورها السياسي في لبنان إلى ما لا يزيد على كومبارس سياسي أو حتى شاهد زور، ولذلك تسابق الزمن للاستحواذ على دور لها مهما كان الثمن، ومهما كانت الشروط، ومهما كان ذلك على حساب وحدة الوطن والمجتمع اللبناني، بل وعلى حساب السلم الأهلي فيه.

ليس مفهوماً هذا العداء ولا هذه الدرجة من التحريض على الحزب، بل واستعداء كل حاضنته الشعبية والاجتماعية. وليس مفهوماً هذا الافتراء على كل ما قدمه الحزب من تضحيات. بل ليس عقلانياً ولا منطقياً هذا التنكر لما أبداه الحزب من مرونة وتعقل لمدة خمسة عشر شهراً متواصلة، كان يعطي للرسمية اللبنانية الفرصة الكاملة للخيار السياسي والدبلوماسي، وكان يرى، وما زال، في التفاهم الداخلي على الأولويات الوطنية الاستراتيجية الوحيدة التي تحافظ على المصالح الوطنية.

على كل حال، ستتحول «معركة» السلطة اللبنانية إلى معركة خاسرة، مهما تصورت أن التنازلات يمكن أن تنقذ لبنان أو أرضه أو وحدة شعبه ومجتمعه، وإن غداً لناظره قريب.