التعليم في غزة بعد ثلاثة أعوام من الحرب.. حان وقت الانتقال من البقاء إلى البناء
نشر بتاريخ: 2026/08/27 (آخر تحديث: 2026/08/27 الساعة: 19:24)

بعد ثلاثة أعوام من الحرب والدمار والنزوح، لم يعد السؤال في قطاع غزة: هل استمر التعليم؟ بل أصبح: أي تعليم نريد، وإلى متى سيبقى أسيرًا لمنطق الطوارئ؟

لا شك أن استمرار العملية التعليمية في هذه الظروف يمثل إنجازًا مهمًا، ويعكس جهد المؤسسات التعليمية والمجتمعية والمعلمين في الحفاظ على حق الأطفال في التعلم رغم فقدان عدد كبير من المدارس وتدمير البنية التعليمية. لكن استمرار الأزمة لثلاثة أعوام يفرض الانتقال من مجرد إدارة الطوارئ إلى بناء منظومة أكثر استقرارًا وجدية واستدامة.

المشكلة اليوم لا تتعلق فقط بتوفير مكان للطالب، وإنما بجودة ما يحصل عليه داخله. فالتعليم في الخيام، والاكتظاظ، ونظام الفترات الثلاث، ومحدودية الوقت التعليمي، إلى جانب الاقتصار على عدد محدود من المواد، كلها عوامل تجعل العملية التعليمية أقرب إلى توفير الحد الأدنى من الخدمة بدل تقديم تعليم متكامل.

وفي المقابل، هناك أعداد من الطلبة خارج العملية التعليمية، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية قاسية تدفع بعض الأسر إلى إعطاء الأولوية للاحتياجات الأساسية. كما أن استمرار التعليم بصورته المؤقتة والمحدودة قد يضعف لدى بعض الأهالي الشعور بجدية العملية التعليمية وجدواها، وهو ما يجعل معالجة التسرب وإعادة بناء الثقة جزءًا أساسيًا من الحل.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قرار بالانتقال من الطوارئ إلى الاستدامة، يبدأ بإعادة النظر في نظام الفترات، وزيادة الوقت الفعلي للتعلم، وتخفيف الاكتظاظ، وتحسين البيئة التعليمية، والتوسع في المواد الدراسية، ووضع خطة لاستيعاب الطلبة غير الملتحقين بالتعليم.

كما أن المطلوب إجراء تقييم حقيقي للتجربة التعليمية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، بمشاركة المعلمين والمديرين والأهالي والطلبة، وصولًا إلى خطة انتقالية واضحة تحدد كيف ومتى يمكن الانتقال إلى منظومة تعليمية أكثر استقرارًا.

ولا يعني ذلك التقليل من دور المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها اليونيسف، بل على العكس؛ المطلوب تعزيز هذا الدور على أساس الشراكة في تطوير التعليم، لا الاعتماد الكامل عليها في تحديد شكل الاستجابة التعليمية. فالمسؤولية في النهاية مشتركة، لكنها تحتاج إلى قيادة ورؤية وقرار.

إن التحدي الحقيقي أمام أصحاب القرار ليس فقط إبقاء المدارس مفتوحة، بل إعادة الاعتبار للتعليم باعتباره حقًا ومستقبلًا، وليس مجرد استجابة مؤقتة لأزمة مستمرة.

فأطفال غزة يحتاجون إلى أكثر من مقعد دراسي؛ يحتاجون إلى وقت كافٍ للتعلم، ومنهج متكامل، وبيئة مناسبة، وتعليم يعيد بناء الثقة والأمل.

لقد نجحنا في الحفاظ على التعليم رغم الحرب، والمرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة الارتقاء به. ومن هنا يبدأ التغيير.