لم يكن محمد دحلان، المعروف بأبي فادي، يتوقع حين أُبعد عن حركة فتح أن يتحول الزمن نفسه إلى عامل يعيد إنتاج حضوره السياسي. فقد كان قرار الفصل والإقصاء، في حينه، محاولة لإنهاء نفوذ رجل أصبح يمثل مركز قوة داخل الحركة، لكن السنوات أثبتت أن إبعاد الإنسان عن المؤسسة لا يعني بالضرورة إبعاده عن التاريخ.
اليوم، وبعد سنوات طويلة من الصراع الفلسطيني والانقسام والحروب التي أكلت غزة، يعود اسم دحلان إلى قلب النقاش حول مستقبل القطاع والنظام السياسي الفلسطيني. وليس لأنه عاد رسميًا إلى فتح، وإنما لأن التطورات الجديدة جعلت شخصيته وشبكة علاقاته وقدرته على التواصل مع أطراف متعددة جزءًا من الحسابات المتعلقة بـ«اليوم التالي» في غزة.
وقد ظهرت خلال أغسطس/آب 2026 مؤشرات واضحة على هذا التحول؛ إذ التقت قيادة حماس برئاسة خليل الحية وفدًا من تيار دحلان في القاهرة، وبحث الجانبان التطورات السياسية والميدانية وترتيبات المرحلة المقبلة، بما فيها الإغاثة وإدارة القطاع وإعادة الإعمار وترتيب البيت الفلسطيني.
من رجل أُبعد إلى رجل يُبحث عنه
هنا تكمن المفارقة الكبرى.
أراد خصوم دحلان أن يكون الفصل من فتح نهاية لحضوره السياسي. لكن دحلان لم يتوقف. أعاد بناء علاقاته، وحافظ على صلته بالشأن الفلسطيني، وخصوصًا بغزة، وبنى لنفسه مساحة حركة خارج المؤسسة الفتحاوية.
وهكذا انتقل من سؤال:
هل يستطيع دحلان العودة إلى فتح؟
إلى سؤال أكثر عمقًا:
هل تستطيع فتح، بل وهل يستطيع النظام السياسي الفلسطيني، تجاهل دحلان في صياغة مستقبل غزة؟
وهذا هو معنى الانتصار السياسي الذي يمكن الحديث عنه اليوم: ليس انتصارًا تنظيميًا لأنه لم يعد إلى اللجنة المركزية لفتح، وإنما انتصار في القدرة على البقاء داخل المعادلة رغم الإبعاد.
غزة التي لم يغادرها دحلان
بالنسبة إلى مؤيدي دحلان، فإن أهم عناصر قوته الحالية ليست علاقاته العربية والدولية وحدها، وإنما بقاء غزة حاضرة في مشروعه السياسي.
لقد ظل يتحدث عن غزة، وعن أهلها، وعن ضرورة رفع المعاناة عنهم، وعن إعادة إعمار القطاع وبناء مؤسساته. ومع تطور الكارثة الإنسانية، أصبح هذا الخطاب أكثر أهمية.
فغزة اليوم لا تحتاج إلى خطابات سياسية فقط؛ إنها تحتاج إلى إعادة بناء الإنسان والمكان والمؤسسة والاقتصاد والحياة اليومية.
ومن هنا يمكن فهم الدور الذي يحاول دحلان أن يقدمه: ليس مجرد العودة إلى موقع سياسي، وإنما المشاركة في بناء صيغة جديدة لغزة.
وتشير تقارير حديثة إلى أن تياره أصبح حاضرًا في النقاشات المتعلقة بإدارة القطاع، والإغاثة، وإعادة الإعمار، كما تطرح بعض التحليلات إمكانية أن يصبح جسرًا بين قوى فلسطينية وإقليمية ودولية متباعدة.
دحلان وحماس: المفارقة التاريخية
ربما لا توجد صورة تختصر التحول الفلسطيني الراهن أكثر من صورة محمد دحلان وخليل الحية يجلسان إلى طاولة واحدة في القاهرة.
فالرجل الذي كان أحد أبرز خصوم حماس في غزة أصبح اليوم يتحاور معها حول مستقبل غزة والموقف الفلسطيني.
هذا لا يعني أن الخلافات التاريخية اختفت، ولا يعني قيام تحالف استراتيجي نهائي بين الطرفين. لكنه يعني شيئًا بالغ الأهمية:
السياسة الفلسطينية دخلت مرحلة جديدة، أصبحت فيها المصلحة الوطنية قادرة على دفع الخصوم التاريخيين إلى الحوار.
وقد تحدثت تقارير حديثة عن حوارات بين حماس وتيار دحلان، وعن احتمالات تعاون سياسي وانتخابي في المرحلة المقبلة.
وهذا التحول يجب ألا يُقرأ باعتباره مجرد مناورة انتخابية؛ فقد يكون جزءًا من محاولة أوسع لإعادة تركيب البيت الفلسطيني بعد سنوات من الانقسام.
لماذا أصبح دحلان جزءًا من استراتيجية الحل؟
لأن الحل الفلسطيني المقبل يحتاج إلى شخصيات تستطيع الحركة بين أكثر من دائرة في الوقت نفسه.
غزة تحتاج إلى الفلسطينيين، لكنها تحتاج كذلك إلى مصر والعرب والدعم الدولي. وتحتاج إلى إعادة إعمار ضخمة، وإلى ترتيبات أمنية وإدارية، وإلى إعادة بناء المؤسسات.
وفي هذه المساحة يمتلك دحلان عناصر قوة لا يمكن تجاهلها:
أولًا: معرفته العميقة بالمجتمع الغزي.
ثانيًا: خبرته السياسية والأمنية السابقة.
ثالثًا: شبكة علاقاته العربية والإقليمية.
رابعًا: قدرته على التواصل مع أطراف فلسطينية متناقضة.
خامسًا: حضوره في النقاشات المتعلقة بمستقبل غزة وإعادة إعمارها.
ولهذا بدأت بعض التحليلات تصفه بأنه يمكن أن يصبح أحد مهندسي مرحلة غزة الجديدة، أو حلقة وصل بين حماس وفتح وبين الفلسطينيين وبعض الأطراف العربية والدولية.
ولكن دحلان ليس هو الحل وحده
وهنا يجب أن نكون موضوعيين.
لا يجوز تحويل دحلان إلى «منقذ أوحد» لفلسطين، كما لا يجوز اختزال القضية الفلسطينية في شخص واحد.
دحلان يمكن أن يكون جزءًا من استراتيجية الحل، لكنه لا يمكن أن يكون استراتيجية الحل كلها.
فالحل الحقيقي يحتاج إلى فتح وحماس والجهاد الإسلامي وكل القوى الفلسطينية، وإلى الشرعية الفلسطينية والمؤسسات الوطنية، وإلى توافق عربي ودولي.
والأهم أن تكون غزة لأهل غزة، وأن يكون مستقبلها قرارًا فلسطينيًا لا مشروعًا مفروضًا من الخارج.
إذا استطاع دحلان أن يستخدم علاقاته وقدرته على الحركة من أجل تجميع الفلسطينيين لا تقسيمهم، وإعادة بناء غزة لا السيطرة عليها، ودعم الوحدة الوطنية لا تكريس الانقسام، فإن دوره يمكن أن يتحول إلى دور تاريخي.
من معركة فتح إلى معركة فلسطين
لقد كان الصراع بين أبو مازن ودحلان في بدايته صراعًا داخل فتح: على النفوذ، وعلى إدارة الحركة، وعلى مستقبل القيادة.
لكن الزمن نقل المسألة إلى مستوى آخر.
لم يعد السؤال اليوم: من انتصر داخل فتح؟
بل أصبح:
من يستطيع أن يساهم في إنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني؟
وهنا يمكن أن نفهم لماذا لم ينجح الفصل في إنهاء دحلان.
لقد خرج من المؤسسة، لكنه حافظ على شبكته السياسية. وخرج من الضفة، لكنه بقي حاضرًا في غزة. وابتعد عن القرار الرسمي، لكنه لم يبتعد عن دوائر التأثير.
وفي اللحظة التي أصبحت فيها غزة بحاجة إلى قنوات متعددة وإلى علاقات عربية ودولية وإلى شخصية تستطيع مخاطبة أطراف متناقضة، عاد اسمه بقوة إلى الواجهة.
دحلان واستراتيجية إعادة بناء غزة
إن إعادة بناء غزة ليست مجرد إعادة إعمار للبيوت.
إنها إعادة بناء الوجود الفلسطيني نفسه.
نحن أمام مدينة ومجتمع واقتصاد ومؤسسات تحتاج إلى إعادة تأسيس. ولذلك فإن أي مشروع لإعمار غزة يجب أن يقوم على ثلاثة أبعاد:
إعادة بناء المكان، وإعادة بناء الإنسان، وإعادة بناء النظام السياسي.
وهنا يمكن لدحلان أن يتحمل مسؤولية استثنائية إذا استطاع أن يوظف علاقاته ونفوذه في خدمة هذه الأبعاد الثلاثة.
فمن يعيد بناء بيت في غزة يعيد بناء حياة فلسطينية.
ومن يعيد بناء مستشفى يعيد للإنسان حقه في الحياة.
ومن يعيد بناء مدرسة يعيد بناء المستقبل.
ومن يعيد بناء المؤسسات يعيد بناء الدولة.
فلسطين كلها لا تبحث عن رجل فقط، بل عن حل
ربما تكون عبارة «فلسطين كلها تريد دحلان» تعبيرًا سياسيًا عن شعور لدى قطاعات ترى فيه فرصة للخروج من حالة الجمود والانقسام، لكنها ليست حقيقة انتخابية مثبتة يمكن تعميمها على كل الفلسطينيين.
الأدق هو القول:
إن دحلان أصبح واحدًا من الشخصيات التي لا يمكن تجاهلها عند البحث عن استراتيجية حل فلسطينية جديدة.
وهذا بحد ذاته تحول كبير.
فالرجل الذي أُبعد من فتح لم يعد يبحث فقط عن العودة إلى مقعده القديم. لقد أصبح السؤال المطروح حوله هو: هل يمكن أن يكون جزءًا من إعادة صياغة المشهد الفلسطيني؟
وهذه هي المفارقة التي صنعها الزمن.
أبو فادي... انتصار البقاء
لقد أراد الفصل أن يجعل دحلان خارج التاريخ التنظيمي لفتح.
لكن التاريخ السياسي أكثر اتساعًا من التنظيم.
قد تُغلق أمام السياسي أبواب المؤسسة، لكن لا تستطيع أن تغلق أمامه كل أبواب التاريخ.
دحلان بقي حاضرًا، وبقيت غزة في صلب خطابه السياسي، واستطاع خلال سنوات الإبعاد أن يبني شبكة من العلاقات جعلته اليوم حاضرًا في لحظة فلسطينية شديدة الحساسية.
واليوم، حين تجلس حماس مع تيار دحلان في القاهرة للبحث في ترتيب البيت الفلسطيني ومستقبل غزة، فإن الصورة تحمل رسالة عميقة:
الخصومة القديمة لم تعد أقوى من الحاجة إلى الحل.
الخاتمة
إنني أرى أن قيمة أبو فادي محمد دحلان في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تقاس بمدى قربه أو بعده من فتح، ولا بعدد المقاعد التي يمكن أن يحصل عليها في انتخابات مقبلة.
بل يجب أن تقاس بسؤال واحد:
ماذا يستطيع أن يقدم لغزة وفلسطين؟
إذا استطاع أن يحول علاقاته إلى إعادة إعمار، ونفوذه إلى مصالحة، واتصالاته إلى وحدة وطنية، وخبرته إلى بناء مؤسسات، فإن دحلان يكون قد انتقل فعلًا من رجل أُبعد عن فتح إلى رجل يمكن أن يساهم في صناعة الحل الفلسطيني.
وهنا يصبح المعنى الحقيقي لانتصاره على الفصل والإبعاد:
لم ينتصر لأنه عاد إلى فتح، وإنما لأنه بقي في فلسطين السياسية رغم إخراجه من فتح.
واليوم، ربما يكون التحدي الأكبر أمامه أن يثبت أن وفاءه لغزة ليس مجرد خطاب، وأن مسؤوليته تجاه شعبها ليست مجرد ورقة سياسية، بل مشروع وطني لإعادة إعمار غزة، وإعادة بناء الإنسان الفلسطيني، وإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، واستعادة فلسطين كلها إلى دائرة الفعل والتاريخ.
فغزة ليست ملكًا لفتح، ولا لحماس، ولا لدحلان. غزة ملك لشعبها، وهي جزء لا يتجزأ من فلسطين. ومن يستطيع أن يخدم غزة بصدق، ويعيد إليها الحياة والكرامة، ويجعل منها بوابة للوحدة الفلسطينية، فإنه يخدم فلسطين كلها.