أين وصل حوار «فتح»؟
نشر بتاريخ: 2026/08/28 (آخر تحديث: 2026/08/28 الساعة: 15:08)

ماذا حدث مع جهود حوار «فتح»؟

هذا سؤال الكثير من الفتحاويين الذين يرون أن هناك لحظة يمكن استغلالها لإغلاق هذا الملف، خاصة بعد أن تلقى دفعة كبيرة باللقاء الذي تم بين نائب الرئيس حسين الشيخ، ونائب رئيس التيار سمير المشهراوي، ولأنهما زملاء قدامى عملا معاً سابقاً، وكذلك طواقم الوفود التي اجتمعت في هيئات عمل واحدة، كان الحوار دافئاً كما وصفته أوساط مراقبة، لكن بين دفء الماضي وبرودة الحاضر يكمن مستقبل حركة وطنية شاء قدر التاريخ الفلسطيني أن تقود تاريخه الحديث.

تبرز ضرورة إغلاق ملف الصدع الحاصل في «فتح» بعد حرب غزة وتجريف المكان بفعل القرار الذي اتخذته مجموعة في حركة «حماس»، والتي استسهلت فعل السياسة فأنتجت كل هذا الخراب الذي وضع الحركة أمام تساؤلات وجودية لن تنجو منها، خصوصاً بعد تسليمها للسلاح وخروج برنامجها من النقاش السياسي بعد أن تجسد محققاً كل ذلك الفشل، لكن النتيجة هي أن «حماس» كفت عن أن تكون حاملاً برنامجياً بعد ما تعرضت له من انتهاء للدور الوظيفي بالمعنى السياسي كبرنامج كان يعتقد أن تحرير فلسطين لا يحتاج أكثر من ضربة واحدة بالسلاح، قبل أن يكتشف أن الأمر لا يستوي مع تلك الاعتقادات الحالمة.

ما حدث بغزة أيضاً أطاح بالقوى التي كانت قريبة لحركة «حماس»، وتحمل نفس التصورات بأن السلاح دون غيره قادر على تحقيق هدف صعب في بيئة شديدة التعقيد وبالضربة القاضية، دون إدراك معرفي لطبيعة الصراع الذي يتطلب إدارة ذكية وطويلة المدى أمام احتلال لديه فرادة معينة تتطلب مواجهة تختلف عن كل مدارس المواجهات عبر التاريخ. كل هذا أعاد الاعتبار لبرنامج حركة «فتح» بشقَّيها رغم إخفاقها في استثمار فشل الآخر، لكن الشارع الغزي الذي أجرى ما يكفي من مقارنات في خيمته وصل لنتيجة قاطعة وهو الشارع الذي رفع سقف آماله من لقاء الشيخ ومشهراوي.

كان لهذا اللقاء أسبابه ومخاوفه وضروراته وسط الانهيار الحاصل للبنى السياسية، فلم يبق غير «فتح» التي نأت بنفسها عن المغامرة بالشعب من جهة وكان الشق الغزي منها يعبّئ فراغ الغياب الذي أحدثه غياب القيادة التي وقفت متلعثمة أمام هول المشهد الكبير دون أن تتمكن من التقاط اللحظة وأخذ زمام المبادرة، وانزوت تاركة غزة معتقدة أن رياح السابع من أكتوبر ستقتلع الجميع في لحظة تصعيد إسرائيلي غير مسبوق بدا كأنه يريد استغلال الحدث لإنهاء الملف الفلسطيني مرة وللأبد، دون إدراك أن اللحظة نفسها كانت توفر قدراً من المناخات السياسية التي يمكن استثمارها للقول للعالم: «لم تدعموا السلام فجاءتكم الحرب»، في خدمة كبيرة وفرتها حركة «حماس» لبرنامج «فتح» لإعادة الترويج للخيار الوطني المقبول والمعترف به دولياً.

حدث اللقاء المعلن لأول مرة بين ممثلي الطرفين وقد سبقه قدر من الحراك السياسي في القاهرة لجهة تحالفات ومستجدات انتخابية، وقد رفع الفتحاويون كثيراً سقف التفاؤل ليس فقط لجهة سماح الرئيس عباس بعقد اللقاء ما أعطى انطباعاً بجدية الحوار، لكن لجهة خطورة المرحلة ومداهمة موعد الانتخابات وحاجة الحركة والرئاسة لضمان نتائج مريحة باتت الحركة بحاجة لهندستها، بعدما أدت انتخابات 2006 إلى هذه النتائج المدمرة بفوز الحركة الإسلامية المستجدة على العمل السياسي واقتطاعها لغزة، وضياع عقدين من التحضير لبرنامجها بعد التحكم بالجغرافيا المقتطعة، لتكتشف أن كل ذلك مجرد فعل عبثي يحتاج الفلسطينيون لعقود لإزالة آثاره، وبالتالي بات من الضرورة ألا يتكرر هذا المشهد الذي أنتجته المنافسة الداخلية بـ»فتح» وتشتتها قبل الانتخابات.

هل هناك إمكانية لرأب صدع «فتح» الذي ذهب منذ عقد ونصف العقد لأبعد مما يجب، أجرت بعدها «فتح» مؤتمرَين وقد تغيرت أجيال وسياسات وقواعد دون أن تتغير قيادة الجانبين، ما أبقى الأزمة قائمة. وماذا فعل وفد «فتح» بعد العودة؟ لماذا لم تجتمع اللجنة المركزية لدراسة نتائج الحوار؟ هل انتهى الحوار لمجرد انتهاء اللقاء كما تُسرب بعض الأوساط التي تنذر باستحالة وحدة الحركة كحالة ليست منفصلة عن تاريخ فلسطيني مليء بالانقسامات لكنه لم يشهد تجربة وحدة ولو لمرة واحدة، و»فتح» ليست استثناء فالعرب بشكل عام والفلسطينيون حديثو التجربة لم يتأهلوا بعد لثقافة الشراكة لذا كان التشظي أسرع وأكثر حضوراً في المشهد السياسي رغم إرادة المؤسس ياسر عرفات باشتقاق تجربة فريدة ومختلفة عن المحيط العربي، لكن سرعان ما عادت الانقسامات والتشظيات.

إسرائيل أمام انتخابات تشير أقوى سيناريوهاتها إلى الإطاحة بنتنياهو. فماذا لو تشكلت حكومة جديدة بدت في نظر العالم أنه لا علاقة لها بالإبادة والحرب، لكنها في حقيقة الأمر تكمل مشاريع نتنياهو بالانقضاض على مستقبل الفلسطينيين؟ وهذا واضح حتى قبل أن تبدأ الدعاية هناك، فمن سيواجه سياسياً معركة لا تقل عن معركة غزة الكبرى؟ لا أحد سوى «فتح» بعد تحطم باقي الأدوات، لكن «فتح» بشكلها الحالي وبالأداء الذي غاب تقريباً خلال السنوات الماضية لن تتمكن من إدارة ما هو قادم، ما يتطلب توافقات أبعد من «فتح» نفسها نحو إعادة صياغة العقد الاجتماعي ليس في مكون الفصيل الواحد، بل بين مكونات الشعب الذي ثبت أن الإطاحة بالمشروع الوطني تتطلب تهجيره وليس تهجير القيادة، وأن من يُفشل أخطر المشاريع هو ثبات الشعب، وليس ثبات القيادات والفصائل التي أنهكت هذا الشعب فقط وعمقت أزمته.