د. يوسف عيسى: ليست كل الغايات تبرر الوسائل، ولا كل المصالح تلغي القيم والأخلاق
نشر بتاريخ: 2026/08/29 (آخر تحديث: 2026/08/29 الساعة: 20:09)

من على جدار القيادي في تيار الإصلاح الديمقراطي، د. يوسف عيسى، على «فيسبوك»، جاءت تغريدة قصيرة في كلماتها، عميقة في دلالاتها، قال فيها: «ليست كل الغايات تبرر الوسائل، ولا كل المصالح تلغي القيم والأخلاق».

كلمات قليلة، لكنها تحمل جرس إنذار سياسي وأخلاقي، وتضع إصبعها على جرح فلسطيني طال نزفه. إنها كلمة تعاتب السياسة في زمن غابت فيه الأخلاق الوطنية، وتدق ناقوس الخطر في أجراس السياسة الفلسطينية، وتحاكي الألم بألم، لكنها تفتح في الوقت ذاته نافذة للأمل؛ أمل التغيير وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني القادر على بناء البيت الوطني، وتوحيد القرار، واستعادة ثقة شعب أنهكته الحرب.

المعنى الأعمق للمقولة أن الغايات السامية يجب أن تُنجز بأدوات شريفة ومحترمة، وأن تحقيق المصالح يجب أن يظل ملتزمًا بأخلاق المجتمع وقيمه. فبقاء الشعوب والجماعات مرتبط بقدرتها على حماية القيم الإنسانية، وفي مقدمتها العدالة والشفافية والمساواة أمام القانون.

وهنا يبرز السؤال: هل تستطيع السياسة والأخلاق أن تسيرا في خط متوازٍ؟ أم أن المصالح السياسية تفرض التخلي عن القيم؟

في التجربة الفلسطينية، تبدو الإجابة أكثر إيلامًا. فمنذ عقدين من الزمن، والانقسام حاضر ومعشش في العقول والقلوب، حتى أصبح الفلسطيني أحيانًا أسيرًا للانتماء التنظيمي قبل الانتماء الوطني. وبين أزقة الدكاكين التنظيمية تاهت البوصلة، بينما كان المواطن يدفع الثمن من أمنه ومستقبله وكرامته.

وفي الفكر السياسي، ارتبطت مقولة «الغاية تبرر الوسيلة» بنيكولو مكيافيلي، لكن لا ينبغي تحويلها إلى قاعدة مطلقة؛ فالغاية الوطنية لا تكتمل إذا كانت الوسيلة تهدم الإنسان أو تنتهك الكرامة أو تقوض الثقة.

فلو كانت القيم والأخلاق الوطنية حاضرة بالقدر الكافي، هل كنا وصلنا إلى هذه المرحلة من الانقسام والانحطاط السياسي؟

لما كان ما كان.

ويقول أحمد شوقي:

«إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ

فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا»

والمواطن الفلسطيني اليوم يفتش في الركام عن بيت، وفي بقايا الذكريات عن وطن، وفي أنقاض الأحلام عن مستقبل لأطفاله. شعب أنهكته قسوة الاحتلال والحرب، ولا يحتمل فوق ذلك صراعات داخلية تستنزف ما تبقى من قدرته على الصمود.

ومن هنا تأتي تغريدة د. يوسف عيسى كصوت ينضم إلى أصوات وطنية تطالب بدق جدران الخزان وإخراج الصوت الفلسطيني المكتوم من بئر السياسة، قبل أن يتحول الصمت إلى يأس، واليأس إلى اغتراب عن الوطن.

لقد طال غياب القيم، وتضاربت الوسائل، وتعددت المصالح، وما زلنا ننتظر على رصيف الانتظار الفلسطيني.

المطلوب ليس التخلي عن السياسة، بل إعادة السياسة إلى أخلاقها؛ وليس إلغاء المصالح، بل وضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الفئوية والشخصية. فالاختلاف السياسي صحي، لكن عندما يتحول إلى قطيعة، والتنافس إلى كراهية، والتنظيم إلى بديل عن الوطن، تصبح الخسارة فلسطينية بامتياز.

فالسياسة التي تخسر أخلاقها قد تكسب جولة، لكنها تخسر الإنسان، والسياسة التي تخسر الإنسان تخسر الوطن.