منظمة شنغهاي تطرق باب النظام العالمي متعدد الأقطاب
نشر بتاريخ: 2026/09/04 (آخر تحديث: 2026/09/04 الساعة: 13:22)

لم يول الإعلام - العربي منه على الأقل - اهتماماً كافياً بتقديرنا بقمة دول منظمة شنغهاي التي تحمل اسم المدينة الثانية في الصين بعد العاصمة بكين، والتي توازي في مكانتها وأهميتها مدينة نيويورك بالنسبة للولايات المتحدة، وذلك يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين، رغم أهميتها البالغة، بالنظر لما تمثله الدول المشاركة، في هذه المنظمة، التي تضم عشر دول، إضافة إلى دولتين بصفة مراقب، وأربع أخرى كدول جوار، وبالنظر أيضا للتوقيت الذي انعقدت فيه، وما صدر عنها من بيان ختامي، أكد على تحدي واشنطن ودعم سيادة إيران في حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة بعد إصدار أميركا حزمة العقوبات الاقتصادية ضد إيران، وضد كل من يتعاون معها، أو لا يغلق أبواب التبادل التجاري في وجهها.

وتشمل مجموعة شنغهاي للتعاون إضافة إلى الصين، كلاً من روسيا، الهند، باكستان، وإيران وخمسا من الدول الآسيوية التي كانت ضمن الاتحاد السوفياتي، وقد حضر اجتماع القمة كل من الرؤساء الصيني تشي جين بينغ، والروسي فلاديمير بوتين، والإيراني مسعود بازشكيان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكانت القمة مناسبة مهمة لإيران لمواجهة الحرب المالية - الاقتصادية التي أعلنتها أميركا عليها مؤخرا، وحذرت فيها كل من يتعاون معها بمواجهة العقوبات والمقاطعة الاقتصادية، وهذا ما حدث، فبعد أن كانت الصين قد أعلنت قبل انعقاد القمة أنها ستواصل تعاملها التجاري مع إيران وفق القانون الدولي، لم تكتفِ روسيا، بالمشاركة في البيان الختامي، الذي أكد على الحل بالوسائل السلمية بما يعني ضمنا رفض الحرب الأميركية بشكليها العسكري والاقتصادي.

لم تكتفِ روسيا بالبيان الختامي، بل إن الرئيس الروسي، اتبع بيان القمة التي عقدت في العاصمة القرغيزية، بمناسبة مرور 25 عاما على تأسيس المنظمة، بأن روسيا لن تتخلى عن إيران، وأنه سيواصل علاقات التعاون الاقتصادي والتجاري معها، وهكذا فإن كلاً من الصين وروسيا تكونان قد ردتا بشكل صريح على الحرب الاقتصادية الأميركية، وهما وحدهما تكفيان إيران لعدم الخضوع للإرادة الأميركية التي تحولت إلى الميدان الاقتصادي بعد الفشل العسكري لكسر شوكة إيران، وكسب الحرب الدائرة على مصادر الطاقة وعلى ممر التجارة العالمي في هرمز، والذي لا يقل أهمية - في نظرنا - عن جدار برلين، في كونه يفصل بين نظامين عالميين، ذلك أن انتصار أميركا في هذه الحرب يعني تثبيت أركان نظامها العالمي الذي أقامته على أنقاض نظام الحرب الباردة، أما هزيمتها فتعني فتح الباب واسعا أمام نظام عالمي متعدد الأقطاب، تسعى له كل من الصين وروسيا، منذ وقت، وبشكل صريح ومعلن.

وإذا كانت القوة العسكرية والاقتصادية للصين وروسيا، ومعهما إيران تكفي لتقديم قطب عالمي، يتحدى أميركا، فإن وجود كل من الهند وباكستان وتركيا مع تلك الدول يعني أن منظمة شنغهاي تشكل نصف تعداد العالم بنحو ثلاثة ونصف مليار إنسان، كذلك تشكل قوة اقتصادية هائلة بـ 35 تريليون دولار، ولأن دول المنظمة سواء الدول الأعضاء أو دول الجوار، تعني أن الحديث يدور عن دول آسيا الوسطى، أو دول الشرق الأدنى وفي ظهرها الصين والهند، بينما أمامها روسيا، وهي المنطقة المجاورة للشرق الأوسط، الذي تدور فيه الحرب الآن، على الطاقة وعلى أهم ممر تجاري عالمي، لتحديد وجهة النظام العالمي.

وحتى من دون بريكس تمثل دول شنغهاي للتعاون ثقلاً مقابل القطب الاقتصادي/العسكري الغربي، ولعل المقارنة بين هذه المجموعة وإن كانت مجموعة تعاون اقتصادي وبين دول الناتو التي اجتمعت في أنقرة قبل أيام، يظهر أن النظام العالمي متعدد الأقطاب قادم فيما النظام العالمي الأميركي في طريقه للتلاشي، فإذا كانت دول شنغهاي تبدو موحدة ومتماسكة فإن دول الناتو أو شركاء أميركا العسكريين والاقتصاديين يبدون متفككين ومتخاصمين، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يحضر قمة الناتو إلا من أجل صداقته للرئيس أردوغان، فيما الخلافات تظهر كل يوم بينه وبين شركائه سواء الدول الأوروبية أو كندا أو دول أميركا الوسطى، خاصة حول التعاون التجاري بسبب ما بات يفرضه من زيادة في التعرفات الجمركية، ومن نوايا السطو على ثرواتهم، سواء في فنزويلا التي قام بالسطو على نفطها أو غرينلاند، أو كندا.

ولم يقتصر الدعم الصيني والروسي لإيران في مواجهتها الحرب العسكرية والاقتصادية الأميركية على الدعم السياسي، فقد بدأت التسريبات الإعلامية تتحدث عن قمر التجسس الصيني الذي يساعد إيران في رصد تحركات وإحداثيات القطع الحربية الأميركية، وعن مساعدة الخبراء الروس لنظرائهم الإيرانيين في تطوير صواريخ كروز لمواجهة الطائرات الحربية الأميركية، بما يمكن إيران من إغلاق الثغرة الأخطر في سلاحها الجوي غير الموجود تماماً، حيث تسيطر طائرات الشبح الأميركية على أجوائها بشكل كامل.

والحقيقة أن إيران كانت بحاجة ماسة لإعلان التحدي الصيني والروسي للحرب المالية - الاقتصادية الأميركية غير المسبوقة، ليس لأن الدولتين هما من بين خمس دول تعتبر الأهم في التبادل التجاري مع إيران إضافة لكل من باكستان وتركيا والعراق، ولكن لأن هذا التحدي يشجع الدول الأخرى على ألا تنصاع للحصار الاقتصادي الأميركي على إيران، وإن بذرائع مختلفة، خاصة أن كلاً من باكستان وتركيا كانتا من بين المشاركين في القمة، وبأعلى تمثيل شخصي للرئيس أردوغان ولرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، والرئيس التركي ورئيس الوزراء الباكستاني يمثلان أهمية خاصة، كونهما قد شكلا تحالفاً عسكرياً مع السعودية مؤخراً، وهما مع السعودية ومصر يمثلون العالم الإسلامي السني، بالطبع مع إندونيسيا أيضاً، وربما لهذا السبب لم تعتبر إيران قمة مكة موجهة ضدها، بل ضد إسرائيل بالدرجة الأولى، بعد أن جمعت شنغهاي باكستان وتركيا معها في هذا الإطار الذي تحدى أميركا عالمياً.

وإذا كان الرئيس بوتين قد سارع لإعلان الدعم الروسي لإيران، والتأكيد على مواصلة التبادل التجاري معها، فإن توجه الرئيس الصيني بعد القمة مباشرة إلى مصر، يؤكد أن شنغهاي تسعى لإكمال قوس حضورها في الشرق الأوسط ليشمل ضلعاً مهماً وهو مصر، فيما قد تكون السعودية هي المحطة التالية، وللصين مع السعودية حزمة اتفاقيات تجارية مهمة جداً، وهكذا تكون الصين قد بدأت فعلياً التحضير لمرحلة ما بعد الوجود العسكري والاقتصادي الأميركي في الشرق الأوسط، ليس من خلال أن تحل مكانها عبر قواعد عسكرية أو هيمنة بحرية على الممرات المائية، ولكن من خلال شبكة علاقات تظهر محتوى النظام متعدد الأقطاب دولياً، بتشكل نظام إقليمي متعدد الأقطاب أيضاً، أو متكامل، ليس فقط عبر تعاون الدول، ولكن عبر تكامل الممرات التجارية، البحرية منها والبرية.

فإذا كانت الحرب الأميركية في الشرق الأوسط الهادفة إلى تثبيت أركان النظام العالمي الأميركي، وتدشين النظام الإقليمي الاسرائيلي، قد أظهرت الحاجة الأميركية للسيطرة على مضيق هرمز ومضيق باب المندب، ثم دفعت دول الخليج - السعودية والإمارات خاصة - لتفعيل الطرق البديلة عبر نويبع والفجيرة، فإن الصين تؤكد عبر مشروع «الحزام والطريق» البري، الذي يربط قارات آسيا وإفريقيا وصولاً إلى أوروبا، بما يتطلبه من مشاركة ثلاثة أرباع العالم، في مشاريع التجارة العالمية، القائمة على الشراكة في الإنتاج والتسويق، في ظل نظام عالمي جماعي، أكثر عدالة ومساواة من النظام العالمي الأميركي الحالي.

لا نبالغ إذا قلنا إن حنق الرئيس الأميركي على التحدي الصيني والروسي، بإعلان الدولتين عن مواصلة التبادل التجاري والاقتصادي مع إيران، هو الذي دفعه للتصعيد في الليلة التي تلت إعلان البيان الختامي لقمة شنغهاي وشن الهجوم العسكري رغم أن جميع المراقبين والمحللين والخبراء العسكريين يجمعون على أن الحرب فشلت في تحقيق الأهداف الأميركية والإسرائيلية، وأن ضربات عسكرية هنا وهناك، لن تغير من واقع الحال شيئاً، خاصة في ظل تآكل المخزون الاستراتيجي الأميركي من الصواريخ والقذائف، حتى وإن كان الحديث يدور عن عمليات عسكرية مركزة، تستهدف فك أو إرخاء قبضة إيران عن مضيق هرمز.

المهم في الأمر أنه قد اتضح تماماً أن أميركا وإسرائيل لن تنتصرا في حربهما على دول وشعوب الشرق الأوسط، أو على إيران؛ وذلك لأن هذه الحرب تحدد مستقبل العالم، وهي تفصل بين نظامين عالميين، أحدهما آفل والآخر قادم، وطال الوقت أم قصر، فليس أمام أميركا إلا أن تسقط ما تبقى لديها من «شعبويي» الحزب الجمهوري، بعد الثورة التي وقعت في الحزب الديموقراطي، بما يؤهل أميركا لأن تكون أحد أقطاب النظام العالمي متعدد الأقطاب القادم، على قاعدة الشراكة والمساواة والعدالة، وليس أمام إسرائيل، إلا أن تطرد اليمين المتطرف من صفوفها، وتسقط نتنياهو وجوقته الفاشية، مرتكبي حرب الإبادة ودعاة التهجير وإسرائيل الكبرى، وقد باتت الانتخابات في إسرائيل وأميركا هي قارب النجاة لهما.