النجل الأنيس للسيد الرئيس
نشر بتاريخ: 2026/10/13 (آخر تحديث: 2026/10/13 الساعة: 17:02)

يتبدى من خلال أحوال السيد الرئيس، في عمره التسعيني، أن وراء كل مراسيمه شخصٌ آخر يرسم. وباستعراض الأسماء والتفوهات، يُستدل على أن الشخص الوحيد، الذي يُعلل ظهوره على حلبة السياسة، بكونه ظلاً يرافق الرئيس ويتعلم منه؛ هو النجل وليس غيره. ففي مسار حياة هذا الأنيس، لا حيثيات أخرى. فهو منذ نعومة أظفاره ـ حسب قوله ـ كان منذوراً للسياسة، ولا شيء سواها من المباهج المبتذلة. وهو يقدم نفسه قائلاً إنه تتبع خطى السيد الوالد، بمعنى أنه ظل يسهم في رسم مراسيمه، بالتعديل او التطويل، بينما هو مقيم في الظل، عند نبع القرار، كأنه الصدى لا الصوت. فقد تواضع ورضي أن تُنسب الاشياء لوالده، الذي انتدبته الأقدار، للاضطلاع بمسؤوليته الكبرى، وهي الإنقاذ، وما على الموالين إلا الاستحسان دونما سؤال: يُنقذ ماذا؟ أين وكيف؟

حَلّ مؤخراً موعد انتقال الوريث من الظل إلى الواجهة، ومن الصدى إلى الصوت. وفي أي موضع ينتقل اليه شخص عريض المنكبين، سيغطّي على من هم دونه أو وراءه في الطابور. ففي تراتبية أي نظام فردي، لا تكون المؤسسات الهشة والتوصيفات السياسية المفخّمة، هي التي تدل على الأهمية. فالذي يحدد قَدْر الأهمية هو مدى القرب من السيد الرئيس الذي لا ينازعه أحد، ولا يشاركه أحد!

عندما يتوغل أي إنسان في الشيخوخة، لا بد له من أنيس يؤتمن بعده على الأرزاق والأعناق والحكم والسياسة. وليس أولى من النجل، بهذه المرتبة الرفيعة، ولو كَرِه الموالون الأقربون، بل ولو قرئت خيبيات مثل هذا الخيار في بعض دول الإقليم.

إن مهمة النجل كأنيس، ليست كمهمته وارثاً. وهذا الذي يجعل أمره، منذ البداية، مستحيلاً بالمطلق. والمفارقة أن القرائن الأولى لاستحالتها، تُستمد من تجربة الأب نفسه ومن طبائعه، قبل أن تُستمد من الشعب أو من المزاج الشعبي. فالأب حَرِصَ على القطع مع الزعيم الذي سبق، على مستويات اللغة والعاطفة الشخصية والسياسة والناس. أراد أن يكون له نهج لا يشبه أي نهج آخر، وقد اختار أسلوبه من خارج المألوف والمعروف، لا يقلد أحداً ولا ينجح أحد في تقليده. ومن إبداعاته التجرؤ على إبلاغ العدو، بالصوت والصورة، أنه شديد الحماسة لمراعاة أمنه، سواء اختلف معه في السياسة أو اتفق، وهو الذي اخترع فكرة أن ما بيننا وبين الاحتلال، محض اختلافٍ سياسي!

لم يجد السيد الرئيس أجدر من إبنه لكي يأتمنه على إرثه وعلى السلطة. وقد ارتضى الإبن أن يتأبط الميراث، وكأنه سيضاهي أباه الذي لا يعترف بأي حدود لصلاحياته، ويرفض أي نصيحة ولا يسمح لأي كان، بأن يرفع سبابته معترضاً.

ربما لا يعرف الوريث، أن "الغول" الذي يختبيء في شقوق السلطة، ينتظر غياب أبيه، لكي يشطب الأنيس الذي كان بعد طي سيرة الرئيس الذي كان. فلم يُكتب اسم الوارث، إلا بالطباشير على لوحة سوداء، لكي يسهل محوه!