غزة - حذر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من تفاقم المعاناة الإنسانية للأطفال مبتوري الأطراف في قطاع غزة، في ظل استمرار منع وصولهم إلى العلاج والتأهيل والأطراف الصناعية، مؤكدًا أن تداعيات الإصابات لا تقتصر على الأضرار الجسدية، بل تمتد إلى مستقبل الأطفال وقدرتهم على التعلم والحركة والاندماج في المجتمع.
وقال المرصد، في بيان صدر الأربعاء، إن عدد الأطفال الذين تعرضوا لبتر أطرافهم جراء هجمات الاحتلال بلغ 1134 طفلًا، وفق الحصيلة المعلنة في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مشيرًا إلى أن استمرار تعطيل علاجهم وتأهيلهم وعرقلة وصول الأجهزة المساعدة إليهم يضاعف الأضرار الجسدية والنفسية الناجمة عن إصاباتهم.
واتهم المرصد الاحتلال بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في القطاع، معتبرًا أن إيقاع الإصابات بالأطفال، ثم تقويض فرص علاجهم وتأهيلهم، يمثل جزءًا من هذه الجرائم، لا سيما في ظل القيود المفروضة على سفر المرضى والإجلاء الطبي.
وأوضح أن الأطفال الذين يتعرضون لبتر الأطراف يحتاجون إلى رعاية طبية وتأهيلية طويلة الأمد، تشمل العناية بالجروح وعلاج الألم والعلاج الطبيعي والدعم النفسي، إلى جانب توفير أطراف صناعية ملائمة تتطلب تعديلًا واستبدالًا مع نمو أجسامهم.
وأشار إلى أن نحو 500 شخص فقط من أصل قرابة 2300 خضعوا للتقييم بعد بتر أطرافهم خلال الفترة الممتدة بين سبتمبر/أيلول 2024 ومايو/أيار 2026، حصلوا على أطراف صناعية دائمة، وفق تقرير منظمة الصحة العالمية بشأن احتياجات التأهيل الناجمة عن الإصابات في غزة، الصادر في مايو/أيار 2026.
وأضاف أن قيود الاحتلال على سفر المرضى وعرقلة الإجلاء الطبي تحرمان الأطفال من خدمات علاجية متخصصة غير متوفرة داخل القطاع، ما يطيل انقطاعهم عن الرعاية ويقلص فرص الحد من المضاعفات واستعادة قدرتهم على الحركة والاستقلالية.
وبيّن أن ظروف النزوح تزيد معاناة هؤلاء الأطفال، إذ يضطرون إلى التنقل عبر الركام والطرق غير المعبدة، والإقامة في خيام ومراكز إيواء تفتقر إلى المرافق الصحية المناسبة لاحتياجاتهم، الأمر الذي يصعّب وصولهم إلى العلاج واستخدام وسائل الحركة.
وفي ظل غياب الأطراف الصناعية المناسبة، لفت المرصد إلى لجوء بعض الأطفال إلى استخدام أنابيب بلاستيكية وأدوات بدائية للمشي، في محاولة للتنقل وتلبية احتياجاتهم اليومية والعودة إلى اللعب مع أقرانهم، رغم ما تسببه هذه الوسائل من آلام وصعوبات في التوازن وسقوط متكرر.
وحذر من أن استخدام هذه البدائل دون إشراف طبي قد يؤدي إلى تعرض الجزء المتبقي من الطرف للضغط والاحتكاك والجروح، بما يعرقل عملية التأهيل ويحد من إمكانية استخدام أطراف صناعية مناسبة مستقبلًا.
ولم تتوقف تداعيات البتر عند الأطفال أنفسهم، وفق المرصد، بل امتدت إلى أسرهم التي تتحمل أعباء الرعاية في ظل فقدان المساكن ومصادر الدخل والخدمات الأساسية، فضلًا عن تدمير المؤسسات والموارد اللازمة لتقديم خدمات العلاج والتأهيل.
وأشار إلى أن فقدان أحد الوالدين أو كليهما يضاعف احتياجات الحماية والرعاية لدى الأطفال مبتوري الأطراف، في ظل تسجيل 71 ألفًا و846 طفلًا يتيمًا في قطاع غزة، وفق الحصيلة المعلنة في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وأوضح أن الأطفال الذين يجمعون بين فقدان الأطراف وفقدان الرعاية الوالدية يواجهون صعوبات إضافية في الحصول على العلاج والانتظام في جلسات التأهيل والتعليم والتنقل، خصوصًا مع انتقال مسؤولية رعايتهم إلى أقارب يعانون بدورهم النزوح والفقر وفقدان المأوى.
وفي سياق متصل، أشار المرصد إلى أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس وإسرائيل، خلصت في تقريرها الخاص بالأطفال الصادر في يونيو/حزيران 2026، إلى أن جانبًا كبيرًا من الأذى الذي لحق بالأطفال الفلسطينيين كان مقصودًا بهدف تدمير الفلسطينيين في غزة بوصفهم جماعة.
وأضاف أن اللجنة رأت وجود أسباب معقولة للاستنتاج بأن هذه الأفعال تندرج ضمن استراتيجية متعمدة لتدمير مستقبل الجماعة من خلال استهداف أطفالها، باعتبارهم أساس استمرارها البيولوجي والاجتماعي.
وأكد المرصد أن مسؤولية الاحتلال لا تقتصر على الهجمات التي أدت إلى إصابة الأطفال وبتر أطرافهم، بل تشمل أيضًا السياسات والإجراءات التي تحرمهم من العلاج والتأهيل والتعليم والمأوى الملائم ووسائل الحركة.
وفي ختام بيانه، طالب المرصد المجتمع الدولي بالضغط من أجل رفع القيود المفروضة على سفر الأطفال الذين يحتاجون إلى علاج غير متوفر في القطاع، وضمان إجلائهم طبيًا برفقة ذويهم دون تأخير تعسفي، وفقًا للأولوية الطبية.
كما دعا إلى وقف الهجمات وسياسات التجويع والتهجير القسري وتدمير مقومات الحياة في غزة، وإنهاء الوجود الإسرائيلي غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة، ورفع الحصار عن القطاع، وضمان المساءلة عن الهجمات والانتهاكات التي طالت الأطفال، ودعم التحقيقات الدولية والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وتنفيذ أوامرها.