نشر بتاريخ: 2026/01/06 ( آخر تحديث: 2026/01/06 الساعة: 14:15 )
حسن عصفور

رسائل ممداني لليسار الفلسطيني والعربي

نشر بتاريخ: 2026/01/06 (آخر تحديث: 2026/01/06 الساعة: 14:15)

في 4 نوفمبر 2025 كسر الشاب زهران ممداني كل الحسابات التقليدية ليفوز بمنصب عمدة نيويورك، مركز المال والإعلام عالميا كما يقال عنها، وفي الأول من يناير 2026 تم ترسميه رسميا، وسط أجواء كسرت كل ما سبق احتفالا، قدم ذاته بذاته كما هو بهويته الفكرية واالدينية ليصبح علامة فارقة في مسار جديد.

فوز زهران ممداني، قد يراه البعض "حدثا محليا" بالمعني السياسي وهو كذلك، فما له سلطة لن تتجاوز مدينة نيويورك، وربما تتأثر بعض من ولايات أمريكية لا أكثر، لكن الجوهري الذي يجب الذهاب إليه ليس حدود السلطة والصلاحيات في التجربة الانتخابية الفريدة، لشاب قرر أن يكون مختلفا دون إسفاف أو ابتذال.

مسار فوز ممداني، أكد بلا أي ضبابية أن هناك دوما قدرات خاصة يمكنها أن تشكل قوة فعل لإحداث التغيير، أو فرض جديد ليس تقليدي، فهو قرر الذهاب مباشرة إلى الناس، ليس بالعلاقة اليومية، بل وقبل كل شيء بوضوح كامل في المواقف السياسية – الاجتماعية، وبعض فكرية وإن لم تتبلور، لكنها مستندة إلى رؤية اشتراكية ديمقراطية، تختلف عما هو سائد في المثيل الأوروبي، بل أقرب إلى الماركسية بروحها الثورية.

ممداني، تحدث للناس بعناوين لا يمكن تأويلها، أو يقال إنها فهمت بطريقة خاطئة، فتح كل النيران على رأس الدولة ترامب، بجبروته الذي ترتعش له دول وأنظمة بكل اللغات، تحدى وهنا الأهم والأخطر، دولة الاحتلال ووصفها دون مواربة بأنها فاشية، وهو ما لم تقدم عليه الرسميات العربية من محيطها لخليجها، بل هناك من فتح لها كل الأبواب التعاونية من المال إلى الأمن، وكأنها باتت دولة "شقيقة" لهم.

ممداني، وفي المدينة التي قال إنها منطقة نفوذ اليهود عالميا بالمال والإعلام، وهي من يقرر ملامح أمريكا، فتح كل نيرانه السياسية ضد الحركة الصهيونية ودولتها، وأعلن بلغة ليست متلعثمة بأنه مع شعب فلسطين وقضيته، وضد حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، التي تنفذها حكومة نتنياهو.

ممداني، بعد الفوز كان كما قبله، ليس في مواقفه التي أطلقها، لكنه أعاد ما قاله قبل الفوز عن الرئيس الأمريكي ترامب، يوم القسم بأنه فاشي، رغم اللقاء الثنائي "الودود إنسانيا"، لم يعد للوراء خطوة، تحت ذريعة الانتقال "خطوتان للأمام"، استلهاما بمقولة لينين الشهيرة في صياغة تكتيك العمل السياسي زمن الأزمات، بل واصل المسار بقوة أعلى، متحديا بدعم تيار محدود، حزب مؤسس الإمبريالية الحديثة، قبل أن يتحدى النظام الإمبريالي بكامله.

تجربة ممداني، لو تم استنساخها فلسطينيا وعربيا مع فصائل اليسار وتحالفه، لكانت الحرب الفكرية أسرع مما ينطقون، بأنه شاب "مغامر" يفتقد التجربة مصاب بحمى الاستعراض الثوري، نهايته قريبة مع تحضير كلمات نعي لتجربة كاشفة لعجزهم وتحجرهم الفكري قبل السياسي، بعدما استبدلوا الروح الثورية بروح انهزامية، تحت شعارات جسدت أكبر خداع في التاريخ المعاصر.

لم يكن مصادفة أبدا، انهيار غالبية اليسار عربيا وفلسطينيا، بعدما أصاب المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفيتي ما أصابها، فسارع الكثيرون لتبديل المسميات من الشيوعية إلى مسميات "رمادية" دون تقديم مراجعة شاملة لما كان ذلك، مكتفين ببلادة تقليدية سادت طويلا مسار العمل العام.

وكانت كارثة اليسار الحقيقية وانكسار روحه الثورية، بعدما انتقل من محاربة الطائفية بكل ألوانها، إلى تابع لها تحت شعار الوهم الدائم "العداء للإمبريالية والصهيونية"، رغم أنها كانت ولا تزال أقوى دعائم المشروع المعادي الظلامي، وتعمقت الكارثة بأن تتجاهل بعض تلك الأطراف ما قامت به الطائفية والظلاميين من عمليات اغتيال لأبرز رموز الفكر اليساري والشيوعي خاصة في لبنان، وبلاد الفرس وقبلها نظام حافظ الأسد، ودور حماس في طعن الحركة الوطنية والهدف من تأسيسها، مع ما تبعه انقلابا انقساميا كان بوابة المؤامرة الكبرى أكتوبر 2023.

انحسار اليسار فلسطينيا وعربيا، ليس موقف من الشعوب التي لم تتغير ظروف حياتها السياسية – الاجتماعية، بل زادت سوءا وقهرا وظلامية، ما يفترض أنها البيئة الأكثر مناسبة لنشاط اليسار، الذي كان قائدا لتجارب مميزة جدا في زمن سابق، خلافا لما هو راهن، وتقييم حقيقي وفق رؤية تستند لمتغيرات بعيدا عن "قوالب التفكير الصنمي" في ظل تطورات عالمية تحمل ملامح جديدة.