تتكلم السياسة وتصمت البنادق في غزة
تتكلم السياسة وتصمت البنادق في غزة
الكوفية تثبت التجارب أن أكثر اللحظات حسمًا في الحروب ليست تلك التي تدور في ساحات الميدان فحسب، بل تلك التي تنتقل فيها المواجهة إلى طاولات التفاوض، حيث تصبح الدبلوماسية امتدادًا للصراع بوسائل مختلفة، وتتحول العلاقات السياسية وقنوات الاتصال والقدرة على التأثير في الوسطاء إلى عناصر لا تقل أهمية عن الوقائع الميدانية. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة الجهود التي سبقت الإعلان الأخير عن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة باعتبارها مسارًا سياسيًا معقدًا شاركت فيه أطراف رسمية وغير رسمية في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية وتعقيد المشهد الفلسطيني.
لقد كشفت هذه المرحلة أن المفاوضات لم تكن مجرد تبادل لمقترحات بين طرفين، بل كانت شبكة واسعة من الاتصالات والضغوط والتحركات التي جرت في عواصم مختلفة وبمشاركة وسطاء متعددين، وفي هذا السياق تناولت تقارير وتحليلات سياسية دور التحركات التي قام بها القائد الوطني / محمد دحلان ورفيق دربه القائد / سمير المشهراوي في دعم الاتصالات السياسية والإنسانية الموازية للمسار الرسمي، مستندة إلى شبكة علاقات إقليمية بنيت على مدار سنوات مع عدد من العواصم العربية والجهات المنخرطة في الملف الفلسطيني.
وتنسجم هذه القراءة مع ما يؤكده العديد من خبراء فض النزاعات من أن الاتفاقات المعقدة تحتاج في كثير من الأحيان إلى مسارات موازية وشخصيات قادرة على التواصل مع أكثر من طرف في الوقت نفسه وتتمتع بالمرونة اللازمة لتقريب وجهات النظر عندما تصل المفاوضات إلى مراحل شديدة التعقيد، وقد شهدت تجارب دولية عديدة حضورًا لهذا النمط من الدبلوماسية غير الرسمية بوصفه عاملًا مساعدًا في تهيئة الظروف أمام الوسطاء والحفاظ على استمرارية الحوار حتى في أكثر المراحل حساسية.
ومن زاوية أخرى أظهرت الحرب أن العمل الإنساني لم يعد منفصلًا عن العمل السياسي، فملفات إدخال المساعدات وفتح المعابر وإيواء النازحين وتوفير الاحتياجات الأساسية تحولت إلى عناصر رئيسية في العملية التفاوضية، ولذلك فإن أي جهد يسهم في تسهيل هذه الملفات يكتسب بعدًا سياسيًا إلى جانب بعده الإنساني ويعزز فرص استمرار الاتصالات ويمنح الوسطاء مساحة أوسع للحفاظ على مسار التفاوض.
وفي المقابل أعادت (إسرائيل) تقديم النمط ذاته الذي رافق جولات تفاوضية سابقة، حيث تعمدت اتباع أشكال متكررة من إعادة تفسير الالتزامات أو طرح شروط جديدة أو تأخير التنفيذ، ويعزو كثير من المحللين ذلك إلى تداخل الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية الداخلية، الأمر الذي يجعل تنفيذ الاتفاقات أكثر تعقيدًا من الوصول إليها، ويؤكد أن المشكلة لا تكمن دائمًا في صياغة الاتفاق بقدر ما تكمن في توافر الإرادة السياسية لاحترامه وتنفيذه.
ومن هنا فإن قيمة أي جهد سياسي لا تقاس فقط بالمساهمة في تقريب وجهات النظر، بل أيضًا بالقدرة على الحفاظ على زخم الاتصالات بعد الإعلان عن الاتفاق، لأن المرحلة الأكثر حساسية تبدأ عند الانتقال من النصوص إلى التنفيذ، حيث تظهر تحديات الالتزام والتطبيق، كما أن نجاح أي مسار تفاوضي يرتبط بقدرة المفاوضين على التعامل مع محاولات التعطيل أو التراجع عنها بوضوح وشفافية من خلال كشف العقبات وتحديد المسؤوليات السياسية أمام الوسطاء والرأي العام، وعندما تتراجع الأطراف عن تفاهمات سبق قبولها أو تعيد طرح شروط جديدة، فإن ذلك يضع العملية التفاوضية أمام اختبار حقيقي ويؤكد أن التحدي لا يكمن في الوصول إلى الاتفاق بقدر ما يكمن في ضمان تنفيذه واحترام الالتزامات التي تم التوصل إليها.
وفي هذا السياق جاءت التصريحات الأخيرة للقائد الوطني/ محمد دحلان، التي اعتبرت أن إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي رفض الاتفاق يمثل امتدادًا لسياسة التراجع عن الالتزامات ويعكس استمرار نهج التعطيل، كما رأت أن هذه المواقف تضع الوسطاء أمام مسؤولية أكبر للحفاظ على ما تحقق من تقدم وتحويل التفاهمات إلى التزامات قابلة للتنفيذ، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة التي لا يقتصر فيها التحدي على الوصول إلى الاتفاق، بل يمتد إلى حمايته من الانهيار في أول اختبار سياسي.
إن القضية الفلسطينية ما زالت بحاجة إلى توظيف جميع أدوات القوة المشروعة، من العمل السياسي إلى الدبلوماسية والعلاقات الإقليمية والجهد الإنساني، فلا مسار يغني عن الآخر ولا يمكن تحقيق نتائج مستدامة إلا من خلال تكامل هذه الأدوات في خدمة الإنسان الفلسطيني وصون حقوقه وتعزيز حضوره على الساحة الدولية.
وفي النهاية تبقى الحروب مهما بلغت قسوتها عاجزة عن صناعة السلام وحدها، فحين تصمت البنادق يبدأ الاختبار الحقيقي للسياسة ولقدرة الدبلوماسية على تحويل لحظة التهدئة إلى فرصة حقيقية لتخفيف معاناة المدنيين وفتح أفق جديد نحو الاستقرار، وهي مهمة تبقى أكثر تعقيدًا من الحرب نفسها وأكثر احتياجًا إلى الإرادة السياسية والالتزام بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.