نشر بتاريخ: 2026/10/18 ( آخر تحديث: 2026/10/18 الساعة: 10:19 )

تحقيق: شركة إسرائيلية استخدمت الإعلانات للتجسس واختراق الأجهزة

نشر بتاريخ: 2026/10/18 (آخر تحديث: 2026/10/18 الساعة: 10:19)

الكوفية واشنطن - كشف تحقيق لوكالة «رويترز» عن ارتباط شركة الإعلانات الرقمية الإسرائيلية «ديسكفر-تك» بشبكة واسعة من الإعلانات عبر الإنترنت استُخدمت لتعقب المستخدمين واستهداف أجهزتهم، بما في ذلك تسهيل إيصال برامج تجسس طورتها شركة «كانديرو» الإسرائيلية المتخصصة في تقنيات المراقبة.

واستند التحقيق إلى تقريرين منفصلين أصدرهما مختبر «سيتيزن لاب» الكندي لأبحاث الأمن السيبراني، وشركة «كونفيانت» الأمريكية المتخصصة في أمن الإعلانات، ربطا نشاط «ديسكفر-تك» بإعلانات أتاحت تتبع المستخدمين، وساهمت في تنفيذ هجمات إلكترونية باستخدام برمجيات تجسس.

وأظهرت النتائج أن الإعلانات الرقمية قد تتحول من وسيلة للتسويق إلى أداة للمراقبة والاختراق، إذ يمكن في ظروف معينة بدء عمليات التعقب أو تهيئة الطريق لاختراق الأجهزة بمجرد تحميل الإعلان، من دون الحاجة إلى نقر المستخدم عليه أو التفاعل معه.

وبحسب تقرير «سيتيزن لاب»، ظهرت إعلانات «ديسكفر-تك» عبر شبكة تضم أكثر من 120 ألف موقع إلكتروني و75 ألف تطبيق، وتضمنت في كثير من الأحيان إعلانات لمنتجات استهلاكية عادية، مثل الهواتف وسماعات الأذن.

لكن الباحثين وجدوا أن هذه الشبكة أتاحت تعقب المستخدمين وتحديد هوياتهم في بعض الحالات، فضلا عن استغلال الإعلانات في إيصال برمجيات تجسس إلى أجهزة مستهدفة.

وقال الباحث في «سيتيزن لاب» وولفي كريستل إن آليات عمل الإعلانات عبر الإنترنت تشكل تهديدا أمنيا منهجيا قد يطال الدول والقطاع الخاص والمجتمع المدني ومستخدمي الإنترنت عموما.

من جانبه، قال جيروم دانجو، الشريك المؤسس لشركة «كونفيانت»، إن «ديسكفر-تك» كانت تبث ما لا يقل عن عشرة ملايين إعلان يوميا حول العالم، موضحا أن آليات تبادل البيانات المعروفة باسم «مطابقة ملفات تعريف الارتباط» مكّنت الشركة من مواصلة تتبع المستخدمين خارج نطاق الإعلانات التي تعرضها مباشرة.

ورجح دانجو أن يكون مئات الملايين من الأشخاص قد تأثروا بأنشطة الشركة، إذ تسمح هذه الآليات بربط بيانات التعريف التي تجمعها جهات إعلانية مختلفة، ما يوسع نطاق تتبع المستخدمين عبر المواقع والتطبيقات.

ومع ذلك، أوضحت «كونفيانت» أن الإعلانات التي ربطتها ببرمجيات التجسس التابعة لشركة «كانديرو» تشكل جزءا ضئيلا من إجمالي إعلانات «ديسكفر-تك»، مؤكدة أن عدد الأشخاص الذين شاهدوا إعلانات عبر الشبكة لا يعادل بالضرورة عدد الأجهزة التي تعرضت للاختراق.

ولم ترد «ديسكفر-تك»، التي تأسست عام 2020، على طلبات التعليق التي وجهتها إليها «رويترز» عبر موقعها الإلكتروني أو برسائل إلى رئيسها التنفيذي ديكل بوني. كما لم تتمكن الوكالة من الوصول إلى مالكي شركة «كانديرو» للحصول على رد.

استهداف 45 جهازا داخل شبكة الجزيرة

ومن أبرز ما كشفه التحقيق استخدام نسخة متطورة من برمجيات التجسس التابعة لشركة «كانديرو» لاستهداف 45 جهازا يعمل بنظام «ويندوز» داخل شبكة الجزيرة القطرية خلال عامي 2024 و2025.

وأوضح «سيتيزن لاب» أنه تمكن من التحقق من الهجمات بعدما زودته شبكة الجزيرة بسجلات من شبكتها الداخلية، ما أتاح للباحثين تتبع النشاط المشبوه وإعادة بناء تسلسل الاتصالات المرتبطة بعملية الاختراق.

ووفقا للتحقيق، وصلت برمجيات التجسس إلى الأجهزة المستهدفة عبر إعلانات مرتبطة بشبكة «ديسكفر-تك»، في حالة وثق فيها الباحثون استغلال الإعلانات الرقمية لتنفيذ هجمات لا تتطلب تفاعلا مباشرا من المستخدم.

وأدانت شبكة الجزيرة الهجمات التي استهدفت عددا من موظفيها، مؤكدة مواصلة جهودها لحماية العاملين وأنظمتها، ووصفت استهداف الصحفيين بأنه اعتداء على حرية الصحافة، مطالبة بمحاسبة المسؤولين.

ولم يحدد التحقيق بصورة قاطعة الجهة التي أصدرت الأوامر باستهداف أجهزة الجزيرة، كما أن ربط الإعلانات بعملية الاختراق لا يعني أن جميع المستخدمين الذين شاهدوها تعرضوا للتجسس أو الاختراق.

إعلانات داخل شبكات حكومية ودولية حساسة

ورصد تقرير «كونفيانت» ظهور إعلانات مرتبطة بالشركة ضمن شبكات إلكترونية حساسة، شملت جهات مرتبطة بوزارة الحرب الأمريكية والوكالة الدولية للطاقة الذرية والمحكمة الجنائية الدولية.

كما رصد «سيتيزن لاب» إعلانات خبيثة ظهرت لمستخدمين يعملون لدى الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي والمفوضية الأوروبية، إضافة إلى أكثر من اثنتي عشرة حكومة أخرى.

وامتد ظهور الإعلانات إلى شبكات شركات تعمل في صناعة الرقائق الإلكترونية، بينها «إنفيديا» و«سانديسك» و«برودكوم» و«مايكرون»، فضلا عن مؤسسات إعلامية في المكسيك و«إسرائيل» وأوروبا لم يكشف التقرير عن أسمائها.

وأشار دانجو إلى أن الأراضي الفلسطينية كانت من المناطق التي شهدت انتشارا مكثفا لإعلانات «ديسكفر-تك»، معتبرا أن ذلك قد يمنح الشركة قدرة واسعة على الاطلاع على النشاط الرقمي في المنطقة.

وأوضح أن انتشار الإعلانات على نطاق واسع قد يتيح رؤية شاملة نسبيا للنشاط الإلكتروني للمستخدمين، لكنه لا يثبت وحده تعرض جميع هؤلاء للتجسس أو اختراق أجهزتهم.

وذكر الباحثون أنهم تمكنوا أيضا من استخلاص معلومات عن المواقع المحتملة لبعض مستخدمي الشركة، بعدما كشفت «ديسكفر-تك» عن غير قصد سجلات تحقق على الإنترنت أظهرت عمليات تسجيل دخول من عناوين بروتوكول الإنترنت في «إسرائيل» وأوروبا ومنطقة الخليج.

إجراءات ضد الشركة بعد كشف أنشطتها

وتعد شركة «كانديرو» الإسرائيلية من الشركات المتخصصة في تطوير أدوات التجسس الإلكتروني، وكانت وزارة التجارة الأمريكية قد أدرجتها على قائمتها السوداء عام 2021، على خلفية اتهامات بتوفير برامج تجسس استُخدمت لاستهداف مسؤولين حكوميين وصحفيين ونشطاء وأكاديميين.

وأثارت القضية مخاوف بشأن استغلال شركات الإعلانات والوسطاء الذين يتعاملون في البيانات التجارية لأغراض تتجاوز التسويق، خصوصا عندما تُستخدم المعلومات لتعقب أشخاص يعملون في مؤسسات حكومية أو عسكرية أو إعلامية أو دولية.

ويمكن لبعض برمجيات التجسس المتطورة جمع معلومات حساسة من الأجهزة المصابة، بما يشمل الملفات والوثائق وبيانات التصفح وتسجيل الدخول، فضلا عن إمكانية الوصول إلى الرسائل أو تسجيل نشاط المستخدم، بحسب قدرات البرنامج المستخدم.

وعقب نشر نتائج التحقيق، أعلنت «جوجل» تعاونها مع الباحثين وقرارها حظر «ديسكفر-تك» من منصاتها الإعلانية بسبب انتهاك سياساتها بصورة ممنهجة.

كما علقت الجمعية الأوروبية لمنظومة التسويق الرقمي والإعلانات «آي إيه بي أوروبا» اعتماد الشركة ضمن قائمتها للموردين المعتمدين عالميا، عقب مراجعة كشفت انتهاكات للسياسات.

وقالت «كومكاست» إن شركتها التابعة «بيزواكس»، المتخصصة في تقنيات الإعلانات، أزالت «ديسكفر-تك» من منصتها، فيما لم ترد شركة «ياندكس» الروسية على طلبات التعليق.

وتسلط هذه الإجراءات الضوء على المخاطر التي تنطوي عليها سلاسل توريد الإعلانات الرقمية، إذ يمكن أن تنتقل الإعلانات عبر منصات ومواقع متعددة بواسطة وسطاء وشبكات متداخلة، ما يزيد صعوبة تحديد الجهات المسؤولة عن الأنشطة الضارة ومحاسبتها.

وفي سياق متصل، سبق أن حذرت جهات أمريكية من مخاطر استخدام بيانات الموقع الجغرافي التي تجمعها شركات التكنولوجيا الإعلانية ووسطاء البيانات في استهداف أفراد من القوات الأمريكية المنتشرة في مناطق نزاع.

واتخذت أفرع في الجيش الأمريكي خطوات لتعطيل خاصية تتبع الإعلانات على بعض الأجهزة، وسط تزايد المخاوف من تحول البيانات المتاحة تجاريا إلى أداة للمراقبة والاستهداف الأمني.

وتؤكد نتائج التحقيق أن ظهور إعلان على موقع معروف لا يعني بالضرورة أن الموقع نفسه تعمد نشر محتوى ضار، إذ قد يستغل المهاجمون أحد الوسطاء ضمن سلسلة الإعلانات لتوصيل برمجيات خبيثة، ما يضع شركات التكنولوجيا والإعلانات أمام تحديات متزايدة لحماية المستخدمين ومنع استغلال بياناتهم وأجهزتهم.