نشر بتاريخ: 2026/01/11 ( آخر تحديث: 2026/01/11 الساعة: 22:26 )
 د. عدنان ملحم

مجلس الثورة أم مجلس السلطة؟ سؤال فتح المؤجل

نشر بتاريخ: 2026/01/11 (آخر تحديث: 2026/01/11 الساعة: 22:26)

الكوفية ▪️ ليس السؤال لغويًا ولا انفعاليًا، ما الذي اجتمع في العاصمة السياسية المؤقتة رام الله قبل أيام؟ مجلسُ ثورةٍ وحركةُ تحررٍ وطني؟ أم هيئةٌ سياسيةٌ ملحقةٌ ببنية السلطة الوطنية الفلسطينية، نظام الحكم كامل الأطراف؟.

▪️ حين يجلس في مجلس الثورة السفراء، والوزراء، ومديرو الأجهزة الأمنية، وكبار موظفي الدولة والحكم والنفوذ ، ورجال الأعمال، تصبح المسألة واضحة: لسنا أمام تداخل أدوار، بل أمام تغليبٍ للسلطة على الثورة. فالثورات لا تُدار من مكاتب البروتوكولات، ولا تُقاس بشرعية المراكز والرواتب والمناصب، بل من وسط الميدان والساحات والجماهير، والقدرة على التعبير عن واقعهم وآمالهم واحلامهم وتاريخهم.

▪️ من يمتلك مقومات القيادة في التجربة الفلسطينية: المقاتلون، النقابيون، المفكرون، الإعلاميون، الأكاديميون، المثقفون الأوائل، رواد القطاع الغربي حراس الوطن المحتل وأرض المعركة والحسم، أهل الانتفاضتان الأولى والثانية، الأسرى والجرحى، أبناء الشهداء؟ أم أولئك الذين دخلوا فتح من بوابات الوظيفة، والرتب، والرواتب، والمناصب، والامتيازات والشهادات والتكنوقراط؟.

▪️ بعد ولادة السلطة الفلسطينية كعنوان وطني أنجبته منظمة التحرير الفلسطينية، هل بقيت فتح حركةً ثورية، أم تحولت موضوعيًا إلى حزبٍ حاكم؟ وإذا كانت السلطة تعتمد على فتح لتثبيت وترسيخ أقدامها وبرامجها وسياساتها، فهل يمكن للفتحاويين السلطويين إعادة فتح إلى موقعها الطبيعي: حركةً شعبية نقدية، لا أداة حكم؟.

▪️ هل برنامج السلطة هو برنامج فتح؟ ثلاثة عقود من “السلام” الذي قتلته تل أبيب، وما زلنا نبحث عن دولة، وحرية، وكرامة، على أرضٍ لم يغادرها يومًا المحتل الغاصب. الفعل النضالي الذي ولد في عيلبون محاصر مسجون بموازين القدرات، والاتفاقيات، والواقع الوطني والإقليمي والدولي الصعب، فيما بقيت المقاومة الجماهيرية الشعبية المنظمة حبيسة الخطاب، لا تمتلك أدوات وإرادات وقناعات سياسية ومجتمعية وفصائلية وازنة.

▪️ تحدّث بيان المجلس الثوري الأخير في خطاب مكرر ومعاد عن الثوابت والعناوين والقضايا السياسية والوطنية، وعن الاستعمار والتهويد والتهجير والصمود والمقاومة، لكنه خلا من أي خطة فعلية: استراتيجيات، خطط، آليات، جداول زمنية، ولا مساءلة. والأخطر أنه صمت عن الفساد: سرقة المال العام، وتوريث الوظائف، واحتكار المناصب والمشاريع. وفشل النظام السياسي الحكومي عن إدارة أمور الوطن ومتطلبات الصمود والثبات، وعدم قدرة الحركة الوطنية جمعاء عن التخلص من الانقسام والتشتت، وبناء شكل من أشكال الوحدة الفلسطينية، أو على الأقل خارطة طريق مرحلية متجانسة.

▪️ أين فتح حركة الجماهير الجامعة، العادلة، الجامحة؟ ما زلنا أسرى منطق المصالح والقبيلة: سيطرة على الحركة والسلطة، إقصاء للقواعد، تهميش للمناضلين، شطب للتاريخ، وهندسة للاستحقاقات التنظيمية. أين الفلاحون، والعمال، والطلاب، والمرضى؟ أين النقابات، والاتحادات، ومجالس الطلبة والمرأة؟ أين العمل الاجتماعي الشبابي؟ أين المفكرون، والمثقفون، والعلماء، وأهل الرأي والمشورة؟. لقد اختُزل القرار الوطني في مربعٍ ضيق يقيم في رام الله والبيرة، ونُسي الباقي؟. إبتعدت حركة فتح عن الجماهير كثيرا وشيدت الأسوار بينها وبينهم، وتركتهم وحيدين في ميادين الصمود والحياة والعيش الكريم.

▪️ الخلاصة القاسية تقول إن معظم الحركات الثورية التي استلمت الحكم في العالم العربي تخلت عن مضمونها، وذابت في السلطة، والأمن، والثروة، وابتعدت عن شعوبها.

ولذا ففتح اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العودة إلى حركة تحرر وطني خالصة، بهياكل مستقلة، وبوصلة واضحة، وخطاب ثوري جامع؛ أو التحول الصريح إلى حزبٍ حاكم بلا ثورة، وأما المنطقة الرمادية، فهي الطريق الأسرع لخسارة الاثنين معًا. وربما على مسافة عقدين من الزمان ستذوب أو تختفي أو تنقسم أو تتحول إلى غير ذاتها.

▪️ اتركوا فتح أمّ الجماهير ومستقبلهم وأحلامهم ، للفتحاويين البعيدين عن كراسي الحكم والنفوذ، أسكنوها مؤتمرات ومجالس وأقاليم ومكاتب حقيقية، وصناديق اختيار شفافة، لا تحولوا هياكلها التنظيمية إلى قبائل شتى وشراء ذمم وولاء، قدموا جموع الكفاءات والمناضلين المؤسسين، أعطوا حراس القطاع الغربي أو الوطن المحتل حقوقهم ومكانتهم التاريخية، عودوا إلى الناس في مواقعهم ومحافلهم ومشاكلهم، انثروا العدالة والمساواة والشفافية، احترموا تدافع الأجيال. ثم خذوا السلطة بكل أثقالها وبريقها وجحافلها ومراسيمها وحكوماتها ووزاراتها ومناصبها وثرواتها وسفاراتها ومعابرها وشركاتها.

طريق الحرية طويل وبعيد، وشعبنا ما زال يواجه أشرس احتلالٍ عقائديٍّ إحلاليٍّ عرفته البشرية جمعاء. لا تنسوا الوطن الجريح المعذب والمحاصر، وناسه الطيبين في الأرض التي “كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين”.