نشر بتاريخ: 2026/07/06 ( آخر تحديث: 2026/07/06 الساعة: 14:14 )
سائدة البنا

‏غزة: حين تدفن الحقيقة تحت ركام المراوغة والتضليل

نشر بتاريخ: 2026/07/06 (آخر تحديث: 2026/07/06 الساعة: 14:14)

الكوفية ليس في غزة من يملك رفاهية الانتظار. فبين ركام البيوت، وصفوف الجوعى، ووجوه الأمهات المكلومات، وحلم الأطفال المسروق، تتكشف كل يوم حقيقة مرة مفادها أن الشعب هو الخاسر الأكبر، بينما تتنازع القوى المختلفة على الروايات والمواقف والحسابات السياسية.

‏منذ سنوات طويلة، وأهل غزة يعيشون تحت وطأة حصار خانق وحروب متكررة وانقسام داخلي أنهك المجتمع ومزق النسيج الوطني. لكن ما يضاعف المأساة ليس حجم الدمار وحده، بل حالة المراوغة والتضليل التي أحاطت بالقضية وأخفت الحقائق عن أصحاب الحق أنفسهم. فبين الوعود التي لا تتحقق، والتصريحات التي تتغير بتغير الظروف، والخطابات التي تُلقي المسؤولية على الآخرين، ضاعت الحقيقة وبقي المواطن وحيداً في مواجهة الجوع والخوف والحرمان.

‏لقد ارتكب الاحتلال جرائم لا يمكن تبريرها أو السكوت عنها، فحول حياة المدنيين إلى جحيم مفتوح، ومارس القتل والتجويع والتدمير والحصار على نطاق غير مسبوق. غير أن معاناة غزة لا يمكن اختزالها في جرائم الاحتلال وحدها، فهناك أيضاً فشل سياسي فلسطيني مزمن، وعجز عن بناء رؤية وطنية موحدة تضع حياة الناس وكرامتهم فوق المصالح الحزبية والتنظيمية.

‏لقد سئم الناس لغة التخوين وتبادل الاتهامات. سئموا من تحويل آلامهم إلى أوراق ضغط ومكاسب سياسية. سئموا من الخطابات التي تتحدث باسمهم بينما هم يغرقون في الفقر والبطالة والنزوح وفقدان الأمل. فالشعب الذي قدّم التضحيات الجسام لا يستحق أن يبقى رهينة الحسابات الضيقة أو رهينة انتظار قرارات تُتخذ بعيداً عن معاناته اليومية.

‏كما أن المجتمع الدولي، الذي يتغنى بحقوق الإنسان والعدالة والقانون الدولي، يتحمل بدوره مسؤولية أخلاقية وسياسية عن استمرار هذه الكارثة. فالصمت أمام المأساة، والعجز عن وقف نزيف الدم، والتردد في حماية المدنيين، كلها عوامل ساهمت في إطالة عمر المعاناة وتحويل غزة إلى رمز عالمي للفشل الإنساني والسياسي.

‏إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من يملك الخطاب الأقوى أو الرواية الأكثر انتشاراً، بل من يملك الشجاعة للاعتراف بالحقيقة. والحقيقة أن غزة دفعت ثمناً باهظاً للأخطاء وسوء التقدير والانقسام والعجز الدولي، وأن استمرار النهج ذاته لن يقود إلا إلى مزيد من الألم والانهيار.

‏لقد آن الأوان لأن يسمع الجميع صوت الناس لا صوت المصالح، وأن تكون كرامة الإنسان الفلسطيني هي البوصلة الوحيدة لأي قرار أو تفاوض أو مشروع سياسي. فغزة لا تحتاج إلى المزيد من الشعارات، بل إلى أفعال تنقذ الإنسان وتحفظ حقه في الحياة. ولا تحتاج إلى مزيد من المراوغة، بل إلى مصارحة وطنية شجاعة تعترف بالأخطاء وتتحمل المسؤوليات وتفتح طريقاً حقيقياً نحو المستقبل.

‏ويبقى السؤال معلقاً في ضمير كل صاحب قرار: كم من الأرواح يجب أن تُفقد بعد؟ وكم من المعاناة يجب أن تُحتمل؟ وكم من الوقت سيبقى شعب غزة يدفع وحده ثمن غياب الحقيقة؟