أزمة اليسار العربي والفلسطيني وتحالفه مع الإسلام السياسي
عدلي اليازوري
أزمة اليسار العربي والفلسطيني وتحالفه مع الإسلام السياسي
الكوفية
تعاني قوى اليسار العربي، وخصوصا اليسار الفلسطيني، من أزمة مركبة تتجاوز التراجع التنظيمي و الانحسار الجماهيري، لتطال جوهر الرؤية والتحليل والاختيار السياسي. هذه الأزمة تتجلى بوضوح في علاقة ملتبسة، بل ومخلة تاريخيا وأخلاقيا، مع قوى الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، وامتدادهم الفلسطيني حركة حماس، وهي علاقة قامت في أحسن الأحوال على التبرير والصمت، وفي أسوئها على التحالف والاصطفاف، رغم التناقض الجذري بين مشروع اليسار التحرري وبين طبيعة ووظيفة الإسلام السياسي.
لفهم عمق هذه الأزمة، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي لنشوء الإسلام السياسي الحديث. فظهوره المنظم لم يكن خارج شروط الاستعمار وصناعته، ولا بعيدا عن الصراع العالمي مع المنظومة الاشتراكية وحركات التحرر الوطني والقومي. خلال الحرب الباردة، أدركت القوى الاستعمارية الغربية أن الخطر الحقيقي على نفوذها في العالم العربي لا يكمن فقط في العمل الفدائي أو العسكري، بل في المشاريع الشاملة التي تربط الاستقلال الوطني بالعدالة الاجتماعية وبناء الدولة الحديثة.
في هذا السياق، جرى التعامل مع الإسلام السياسي بوصفه أداة مضادة وظيفيا لهذه المشاريع. فهو تيار قادر على ضرب الوعي الطبقي، وإعادة الصراع إلى مستوى هوياتي ديني، وتفكيك الجبهة الوطنية من الداخل. لم يكن المطلوب منه تحرير الأرض أو بناء سيادة وطنية حقيقية، بل تعطيل شروط التحرر، أي الدولة الوطنية المستقلة والمجتمع المدني الحديث، وتحويل الصراع من مواجهة بنيوية مع الاستعمار إلى نزاع ثقافي وديني قابل للاحتواء.
الإسلام السياسي، في بنيته الفكرية والتنظيمية، يقف على النقيض من اليسار وحركات التحرر. فهو لا يعترف بالهوية الوطنية، ولا بالصراع الاجتماعي بوصفه صراعا على الثروة والسلطة، بل يعيد تفسيره أخلاقيا ودينيا. كما أنه لا يرى الدولة عقدا اجتماعيا بين مواطنين متساوين، بل سلطة عقائدية تحتكر “الحق” و”الشرعية”.، في علو على باقي المجتمع. هذا التعارض لم يكن نظريا فقط، بل تجسد تاريخيا في كل لحظة صعود لمشروع وطني تقدمي في العالم العربي.
في مصر، خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، شكّل المشروع الناصري في مواجهة القوي الإستعمارية أحد أكثر النماذج وضوحا لهذا الصدام. مشروع التأميم، والإصلاح الزراعي، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال السياسي، وبناء دولة قوية، واجه عداء صريحا من جماعة الإخوان. هذا الصراع لم يكن، كما يُعاد تسويقه لاحقا، صراعا من أجل الديمقراطية، بل صراعا على طبيعة الدولة والمجتمع. الإخوان مثلوا قوة اجتماعية محافظة، رافضة للعلمنة السياسية، ومعادية لأي محاولة لإعادة توزيع الثروة أو تفكيك البنى التقليدية، وقد وجدت فيهم القوى الغربية وبعض الأنظمة المحافظة حليفا موضوعيا في مواجهة المشروع الناصري.
في فلسطين، تبدو المفارقة أكثر فداحة. فالحركة الوطنية الفلسطينية نشأت، في جوهرها، حركة تحرر وطني حديثة، علمانية في بنيتها، جامعة في خطابها، ومرتبطة عضويا بحركات التحرر العالمية. غير أن صعود الإسلام السياسي، ممثلا في حماس، شكّل قطيعة مع هذا المسار. حماس لم تكن تطورا طبيعيا للمقاومة الفلسطينية، بل انحرافا عنها. نشأت في لحظة كان فيها المشروع الوطني الفلسطيني، ممثلا بمنظمة التحرير وفصائل اليسار، يشكل خطرا سياسيا وأخلاقيا على الاحتلال.
في هذا السياق، استُحضرت حماس وسُمح لها بالنمو والانتشار، لا لأنها تهدد الاحتلال جذريا، بل لأنها تضرب الحركة الوطنية من الداخل، وتحول الصراع من قضية تحرر وطني إلى نزاع ديني شكلي. هذا التحول خدم سردية الاحتلال، القائمة على نفي وجود شعب فلسطيني صاحب حقوق سياسية، وتحويل القضية إلى صراع ديني قابل للإدارة.
التخادم هنا لا يعني دائما تنسيقا مباشرا أو معلنا، بل التقاء في الوظيفة والنتائج. حين يتحول الصراع من صراع تحرر وطني إلى صراع ديني، يكون الاحتلال الرابح الأكبر. وحين ينقسم المجتمع الفلسطيني، وتُضرب مؤسساته الوطنية، وتتحول المقاومة إلى أداة سلطة داخلية، فإن ميزان القوة يميل حتما لمصلحة الاحتلال.
في غزة، تجسدت هذه المعادلة بوضوح. تحولت حماس إلى سلطة أمر واقع، مارست القمع باسم الدين، وأدارت الاقتصاد بمنطق الجباية، واستخدمت المقاومة أداة للضبط والقمع والتسلط الداخلي لا للتحرر. النتيجة كانت تدمير النسيج الاجتماعي، واستنزاف المجتمع، وإدامة الانقسام، وهو ما وفر للاحتلال بيئة مثالية لإدارة الصراع بأقل كلفة ممكنة.
لكن المعضلة الكبرى لا تكمن في الإسلام السياسي وحده، بل في يسار فقد بوصلته التاريخية. اليسار الفلسطيني، الذي كان في طليعة المشروع الوطني الحديث، وجد نفسه منذ أواخر الثمانينات في موقع دفاعي، ومع تراجع حضوره التنظيمي والجماهيري، اختار بعضه الهروب إلى الأمام عبر تبرير صعود الإسلام السياسي بدل مواجهته فكريا وسياسيا.
الخطأ المركزي لليسار الفلسطيني تمثل في فصله المصطنع بين “المقاومة” و”المشروع السياسي”. جرى التعامل مع حماس بوصفها مجرد فصيل مقاوم، يمكن تأجيل الخلاف معه إلى ما بعد التحرير. هذا المنطق تجاهل أن طبيعة القوى التي تقود النضال تحدد بالضرورة شكل الدولة والمجتمع لاحقا، وأن الأسلمة ليست تفصيلا تكتيكيا، بل مشروعا متكاملا مضادا للتحرر الوطني.
وكانت الطامة الكبرى عند الانقسام الفلسطيني عام 2007، حيث فشل اليسار فشلا ذريعا. بدل أن يشكل قوة مستقلة تدافع عن وحدة المجتمع والمؤسسات الوطنية، انخرط جزء منه في تبرير الأمر الواقع، تحت شعارات الواقعية السياسية أو منع الاقتتال. بهذا الموقف، لم يعد اليسار صوت المجتمع ضد السلطة، بل تحول في كثير من الأحيان إلى شاهد صامت على تفكيك المجتمع والقضية.
الأزمة هنا لم تكن سياسية فقط، بل مفاهيمية. خطاب اليسار أصبح أسير مفردات الإسلام السياسي نفسه، من دون تفكيك دلالاتها أو وظائفها. جرى تفريغ مفاهيم التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية من مضمونها، وتحويلها إلى شعارات بلا حامل اجتماعي، ما أفقد اليسار قدرته على مخاطبة المجتمع، وخصوصا الأجيال الشابة.
إن استعادة اليسار العربي، والفلسطيني خصوصا، لدوره التاريخي لا يمكن أن تتم من دون مراجعة شاملة وجذرية، تعترف بأن التحالف أو التعايش مع الإسلام السياسي كان خطأ تاريخيا، بل خطيئة تاريخية، وأن الصمت عن ممارساته كان تواطؤا غير مباشر مع تفكيك المجتمع والمشروع الوطني. هذه المراجعة ليست موقفا ضد الدين، بل دفاعا عن السياسة بوصفها شأنا إنسانيا وطنيا، وعن التحرر بوصفه مشروعا وطنياً شاملا لا يُختزل في السلاح أو الشعارات والمال السياسي.
الإخوان المسلمون، وحماس بوصفها امتدادا لهم، لم يكونوا يوما جزءا من مشروع تحرري وطني ديمقراطي. بل كانوا ولا يزالون، جزءا من منظومة مضادة للتحرر، والإنتماء الوطني. حتى عندما يرفعون رايات ما سمي بالمقاومة. من دون الاعتراف بهذه الحقيقة التاريخية، سيبقى اليسار العربي والفلسطيني يدور في حلقة الفشل، وستبقى قضايا الشعوب مختطفة، ويُفرغ النضال من مضمونه التحرري الحقيقي.